الأكثر قراءة

في العالم الحديث، الدساتير تُكتب بحبر الحرية وتطبق ببصمة الحذاء

 

كارلو جليان

جريدة الحرة ـ بيروت

مرحى! لقد دخلنا عصر “الديمقراطيات التجريبية”، حيث الشعار شيء، والفعل شيء، والضحك علينا هو الشيء الوحيد الثابت.

تركيا؟ دولة مدنية تقول إنها علمانية، لكن رئيسها يخطب من على منبر المسجد، ويُدير الدولة كإمام جامع يوم الجمعة. ممنوع المسّ بالجيش، مسموح مداعبة القضاء، والانتخابات قائمة ما دامت نتائجها “مرضية”. شعار المرحلة: “نؤمن بفصل الدين عن الدولة… لكن ليس الآن”.

إسرائيل؟ ديمقراطية؟ بالتأكيد، إن كنت يهودياً صهيونياً. أما إن كنت فلسطينياً، فأنت “خطأ سكاني”. مواطِن من الدرجة “نسيت الدولة تحديدها”. بإمكانك العيش، لكن تذكر: القرار يتخذه عنك من يملك الحبر المقدّس، لا من يكتب بحبر التاريخ.

لبنان؟ نموذج التوافق؟ لا بل متحف للطوائف. رئيس ماروني، رئيس وزراء سني، رئيس برلمان شيعي… والشعب؟ يُدعى فقط لرفع الأعلام أو دفن القتلى. دستور من ورق، تحكمه عمائم وهندسات مصرفية. الدولة تبيع شعاراتها كما تبيع الكهرباء: بالتقنين.

روسيا؟ نعم، دولة فيها انتخابات. المرشح الوحيد ينافس ظلّه، والناخب يضع الورقة في صندوق، ثم يُسجن صوته في الصندوق. بوتين؟ لا يحكم روسيا، هو روسيا. من لا يعجبه الأمر، فهناك مفاجأة في انتظاره.

إيران؟ “جمهورية إسلامية ديمقراطية”، مثل أن تقول “ثعلب نباتي”. التصويت مسموح فقط بعد غربلة المرشحين في مصفاة الولي الفقيه. تصدير الثورة عندهم فريضة، والبراغماتية عبادة. والديمقراطية سماوية؟

الصين؟ يحكمها حزب شيوعي، يدير أكبر رأسمالية سلطوية في العالم. المواطن يُراقب بالنقاط، والابتسامة في الصورة الشخصية إجباريّة. كلّ شيء “من الشعب ولأجل الشعب”.

الولايات المتحدة؟ حامية الديمقراطية في الكوكب، بشرط أن تمر ديمقراطيتك عبر المجمع الانتخابي، و”اللوبي الصحيح”، وشبكة الإعلام التي تبارك الرئيس قبل أن يُنتخب. الحرية هناك تُباع حسب العرق، وتُقاس بمبالغ التبرعات للحملة.

فرنسا؟ مهد العلمانية، شرط أن تكون هذه العلمانية ضد حجاب فتاة في الثانوية. تعبيرك الديني خطر على الأمن العام. ارتدِ صليباً صغيراً وستُشكر. ارتدِ حجاباً، وستُعامل كقنبلة موقوتة. حرية؟  oui، لكن بنكهة أمنية.

بريطانيا؟ الأم الديمقراطية التي يحكمها ملك لم يصوّت له أحد منذ وليم الفاتح. منصب يورث كالأواني الفضية، والحكومة تضع التاج في الميزانية. المواطن يُعامل كملك يوم التصويت، ثم يُعامل كخادم بقية الأيام.

ألمانيا؟ نموذج الرفاه الاجتماعي… الذي لا يُصرف منه شيء إن تعارض مع “قانون كبح العجز”. الدولة الغنية ترفض ترميم مدارسها بحجّة الانضباط المالي. البطالة “أخلاقية”، والفقر “مؤقت حسب البيانات”، والجوع “إحصاء خاطئ”.

بولندا؟ دخلت الاتحاد الأوروبي وهي تلبس بدلة ديمقراطية، ثم خلعتها وارتدت عباءة دينية قومية. القضاء؟ يُعيَّن بأمر سياسي. الإعلام؟ أداة دعاية وطنية. والعقوبات الأوروبية؟ تُعلّق على الحائط كوسام.

إسبانيا؟ تُفاخر بديمقراطيتها، لكنها ترسل الشرطة لاقتحام صناديق الاقتراع في كتالونيا، وتجرّ منظمّي الاستفتاء كأنهم مهربو مخدرات. الوحدة الوطنية أهم من صوت الشعب، والولاء أهم من الحرية.

نحن في عصر الإنفصام الفكري. الدستور مجرد حجاب شفاف لأقبح الممارسات. العالم ليس مسرحاً للسياسة… بل سيركاً للاستهبال المنهجي.

مرحباً بك في الكوكب الذي يقول لك: “صوّت كما تشاء، فنحن نقرر عنك مسبقاً”.

https://hura7.com/?p=53144

الأكثر قراءة