
جريدة الحرة بيروت
بقلم : د .عبد الرؤوف سنّو، مؤرّخ وباحث
قراءة في فكره القومي ودفاعه عن القضية الفلسطينية
منذ عملية طوفان الأقصى في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، دخل المشروع الصهيوني لتهويد فلسطين مرحلة غير مسبوقة من التصعيد والمكاشفة. فقد استغلت إسرائيل حسابات حماس الخاطئة في تقدير نتائج عمليتها، لشنّ حرب مدمّرة على قطاع غزة، رافقتها خطط للتهجير القسري وإعادة الاستيطان، ما كشف عن نيّة إسرائيلية معلنة بالاستيلاء الكامل على القطاع وإخضاعه لسيطرة أمنية وإدارية دائمة. وفي هذا السياق، تتسارع وتيرة ضمّ الضفة الغربية بفرض المزيد من المستوطنات وتوسيع الاستيلاء على الأراضي، وتفكيك ما تبقّى من إمكان قيام كيان فلسطيني متصل جغرافيًا، وهو التواصل الذي نصّ عليه اتفاقا القاهرة (1994) وأوسلو 2/طابا (1995) عبر إقرار معبر آمن بين قطاع غزة والضفة الغربية.
وهكذا يقترب المشروع الصهيوني، بعد أكثر من قرن على انطلاقته، من غايته القصوى: تهويد فلسطين التاريخية بكاملها، من النهر إلى البحر، وطيّ ما تبقّى من القضية الفلسطينية كقضية تحرّر وطني. غير أنّ هذا المسار، على حداثة تجلّياته الراهنة، ليس بجديد في جوهره؛ فقد أدركه مفكرون عرب استشرفوا أبعاده منذ فجر المشروع الصهيوني، وفي طليعتهم شكيب أرسلان الذي ربط منذ العشرينيات من القرن الماضي بين الاستيطان اليهودي في فلسطين ومشروع سيطرة شاملة على الأرض والإنسان، ورأى فيه امتدادًا للمخطط الاستعماري الغربي في المشرق العربي.
وقد تدرّج الوعي العربي بخطر المشروع الصهيوني على عروبة فلسطين منذ مطلع القرن العشرين، عبر ثلاث مراحل فكرية متتالية ومتكاملة، مثّلها كلٌّ من نجيب عازوري، ونجيب نصّار، وشكيب أرسلان. وإن تلاقى فكر المفكرين الثلاثة حول عروبة فلسطين وخطر الصهيونية عليها، فليس من الثابت وجود معرفة شخصية أو مراسلات بينهم. فـعازوري سبق الآخرين بتحذيره المبكر في العام 1905 من الصدام المحتوم بين المشروع النهضوي العربي والمشروع الصهيوني في فلسطين، بينما كشف نصّار عبر جريدته الكرمل منذ 1908 أبعاد الهجرة اليهودية والاستيطان. وقد تابع أرسلان نشاطهما عن بُعد، واستلهم جهودهما في بلورة رؤية عروبية-إسلامية شاملة، جعل فيها الدفاع عن فلسطين جزءًا من معركة الأمّة ضد الاستعمار والصهيونية معًا.
وكان نجيب عازوري (1876–1916)، المفكّر القومي المقيم في باريس، أول من حذّر صراحة من المشروع الصهيوني في كتابه “يقظة الأمّة العربية” (Le Réveil de la Nation Arabe 1905)، حيث سطّر عبارته الشهيرة: “هنالك حادثان خطيران يتكوّنان الآن في الشرق، أحدهما يقظة الأمّة العربية، والآخر محاولة اليهود إعادة تأسيس مملكة إسرائيل القديمة في فلسطين، وهذان الحادثان إذا قدّر لهما النجاح فسيصطدمان حتمًا”. بهذا النصّ، وضع عازوري أول نواة فكرية عربية تربط بين الصهيونية والاستعمار الأوروبي، وتكشف تعارضها مع نهضة العرب واستقلالهم، مستشرفًا مبكّرًا الصدام بين القوميتين العربية واليهودية. كانت رؤيته قومية علمانية، نابعة من إدراكٍ سياسي مبكر لمطامع الغرب في فلسطين، ولا تستند إلى خطابٍ ديني أو وحدويٍّ إسلامي.
ثمّ جاء نجيب نصّار (1862–1948)، فحوّل التحذير الفكري الذي أطلقه عازوري إلى حركة صحفية وميدانية داخل فلسطين نفسها. وكان أوّل من استخدم الصحافة كمنبرٍ دائمٍ لمهاجمة الصهيونية، فخصّص افتتاحياته لكشف نشاط الشركات اليهودية وشراء الأراضي، وحذّر المزارعين العرب من بيع أراضيهم. وفي العام 1911، أصدر كتيّبًا بعنوان “الصهيونية: ملخص تاريخها، غايتها وامتدادها حتى سنة 1905م” دعا فيه إلى مقاومة الهجرة اليهودية، عبر الوعي والتعليم والتنظيم الأهلي. فمثل بذلك مرحلة التحذير العملي المحلي من داخل الأرض المهدَّدة، بعد أن كان التحذير الأول نظريًا من خارجها.
أما شكيب أرسلان (1869-1946) فقد بلور هذه المواقف المتفرّقة في إطارٍ فكري-حضاري شامل، جمع بين الإسلام والعروبة في مواجهة الاستعمار والصهيونية معًا. ورأى أن الصهيونية ليست حركة استعمارٍ اقتصادي فحسب، بل مشروع سياسي-عقائدي يهدف إلى فصل فلسطين عن محيطها الإسلامي والعربي، ويخدم في جوهره تقسيم الشرق وإضعاف الدولة العثمانية. لذلك، جعل الدفاع عن فلسطين جزءًا من مشروعه الأشمل في الدفاع عن الجامعة الإسلامية ووحدة الأمّة. (1) وفي مقالاته ورسائله في جريدتي “المنار” و”المؤيّد”، وفي خطبه اللاحقة، أكّد أن الهجرة اليهودية إلى فلسطين تشكل نكبة على العرب والمسلمين، وأن مقاومة الصهيونية واجبٌ دينيٌّ وقوميٌّ في آنٍ واحد.
سيتناول المقال مواقف أرسلان من الصهيونية وفلسطين من خلال ثلاثة محاور: موقفه من الصهيونية حتى نهاية الحرب العالمية الأولى، ثم موقفه منها بين الحربين العالميتين الأولى والثانية، وأخيرًا خلال الحرب الأخيرة حتى وفاته.
1. أرسلان والصهيونية والسياسات الدولية تجاه فلسطين حتى نهاية الحرب العالمية الأولى
شكّل المشروع الصهيوني لتهويد فلسطين الذي بدأه تيودور هرتزل، أحد أبرز معايير التمايز الفكري والسياسي للنخب العربية مطلع القرن العشرين. وفي هذا السياق، برز أرسلان بموقفٍ حازم ومبكرٍ ضدّ الصهيونية، انطلاقًا من رؤيته الجامعة للإسلام والعروبة بوصفهما إطارين متكاملين لحماية الأمّة من التفكّك والاستعمار. وقد أدرك منذ التسعينيات من القرن التاسع عشر الطابع السياسي والاستعماري للحركة الصهيونية، وعدّها امتدادًا للمطامع الأوروبية في المشرق، وسبيلًا لانتزاع فلسطين من محيطها الإسلامي والعربي. وقد عبّر عن عدائه الصريح لها في مقالاته ورسائله العديدة، مؤكّدًا أن الهجرة اليهودية إلى فلسطين ليست مشروعًا اقتصاديًا أو إنسانيًا، بل مخطط لقيام دولة على أنقاض الأمّة العربية. وبذلك، مثّل أرسلان نموذجًا للمثقف الإسلامي العربي الذي جمع بين الوعي السياسي المبكر والالتزام الحضاري في مقاومة الاستعمار والصهيونية.
وقبل الحرب العالمية الأولى، وجد شكيب أرسلان أن سورية تتعرض إلى هجومين منسقين: من الاستعمار الأوروبي، ومن المشروع الصهيوني لتهويد فلسطين. ورأى أن سورية قطر عربي يعاني التجزئة بسبب فرنسا، وفلسطين مستهدفة بالمشروع الاستيطاني الصهيوني بتآمر بريطاني- أميركي. أما ألمانيا القيصرية، فقد رفضت المشروع الصهيوني، انطلاقًا من رغبتها في عدم تعكير علاقاتها بالدولة العثمانية. لكن تحوّلًا طرأ على موقفها هذا منذ العام 1913، حين استحدثت “دائرة شؤون اليهود” في وزارة الخارجية، كنوع من التعاطف مع الصهيونية. فتابعت هذه الدائرة خلال الحرب مسألة حماية المستوطنات اليهودية في فلسطين ضدّ سياسة جمال باشا. ثم دعمت جذريًا بعد ذلك هجرة اليهود من ألمانيا على يد الحزب النازي منذ العام 1933.
وفي أثناء تبلور سياسة ألمانيا لمصلحة الصهيونية، كانت بريطانيا تؤدي الدور المركزي في تمهيد الطريق لقيام الكيان الصهيوني في فلسطين منذ منتصف القرن التاسع عشر، عبر حماية اليهود في فلسطين. (2) فكانت الحركة الصهيونية بالنسبة إليها أداةً تخدم مصالحها الاستراتيجية في المشرق، وخاصة في حماية طريق الهند، وضمان ولاء اليهود في أوروبا والولايات المتحدة، حيث كانت لندن تحتاج إلى دعم واشنطن سياسيا وعسكريا خلال الحرب العالمية الأولى.
وفي هذا السياق صدر “تصريح بلفور” في 2 تشرين الثاني 1917، الذي رحب بإقامة “وطن قومي لليهود في فلسطين”، في وقتٍ لم تكن لبريطانيا فيه أيّ سيادة على الأرض الفلسطينية. وجاء التصريح ثمرة تلاقٍ بين المصالح الإمبراطورية البريطانية والطموح الصهيوني، ونتيجة لضغوطٍ سياسيةٍ وإعلاميةٍ من الدوائر اليهودية والأميركية التي مارست تأثيرًا متزايدًا على الحكومة البريطانية آنذاك. ومع نهاية الحرب، تحوّل هذا التصريح إلى أساسٍ قانونيٍّ لسياسة الانتداب البريطاني في فلسطين، ومهّد لزرع الكيان الصهيوني فيها في العام 1948.
وبعد صدور التصريح، وجدت ألمانيا نفسها مضطرّة لمنافسة عدوتها بريطانيا وإصدار تصريح مماثل لكسب اليهود الأميركيين إلى جانبها. فاستغلت زيارة الصدر الأعظم طلعت باشا إلى برلين في العام 1918، وما نسبته إليه الصحافة الألمانية والبريطانية وتبنته الدوائر الصهيونية، من أنّ الحكومة العثمانية سوف تعيد النظر في موقفها من اليهود حالما تنتهي الحرب “بصورة تحقّق أمانيهم”، وأصدرت لذلك تصريحًا رسميًّا، جاء فيه أنّ وجهة نظرها تتفق مع تصريح الصدر الأعظم حول “تنمية استقرار يهودي مزدهر في فلسطين من خلال الهجرة غير المقيدة والاستيطان ضمن قدرة البلاد الاستيعابية، وقيام حكم ذاتي يتفق وقوانين البلاد والتطوّر الحرّ لحضارتها”. (3)
وقد تجنبت لندن في التصريح الاعتراف بالفلسطينيين كشعب صاحب حقوق قومية، مكتفية بوصفهم “طوائف غير يهودية”. ولم تكن هذه السياسة منفصلة عن حسابات استراتيجية بريطانية: حماية طريق الهند وقناة السويس، وإقامة وطن قومي يهودي في فلسطين، وبالتالي تأمين نقطة ارتكاز موالية لها في المشرق العربي.
وفيما أثار التصريح ردود فعل صاخبة بين الأوساط العربية، سارعت الخارجية العثمانية إلى نفي التصريح. وانبرى أرسلان بالدفاع عن الصدر الأعظم في مجلته “الأمّة العربية”، وفي عدد من مقالاته ورسائله السياسية، لا سيما في مجلة “العروة الوثقى”، بأنّه تصريح مفبرك و”بهتان عظيم”، وأن “كلّ تسهيل لليهود في فلسطين هو نكبةٌ على العرب والمسلمين”، حتى لو جاء من الدولة العثمانية أو من ألمانيا. واعتبر أرسلان أن الدولة الأخيرة حرّفت تصريح طلعت باشا لتعاونها مع الصهيونية، وبأن السلطنة ملتزمة بمنع بيع أراضي فلسطين لليهود. وربط أرسلان بين ما يجري من أحداث مشبوهة نتيجة لتصريح بلفور وبين تصريح الدبلوماسي الفرنسي جورج بيكو في العام 1919 بأن انتداب بلاده على سورية هو “خير لسكانها وتقدمهم”، بأنهما عملية خداع للعرب والترك.
وعلى ما يبدو، لم يقتنع أرسلان بما كان يرويه رجال الدبلوماسية الألمان في الشرق العربي حول أنّ دولتهم أعلنت أمورًا كثيرة تنوي تحقيقها للعرب بعد انتهاء الحرب. وكما راهن الزعيم الوطني المصري مصطفى كامل (1874 – 1908) على ألمانيا لإثبات صداقتها للعالم الإسلامي بتخليص مصر من براثن الاحتلال البريطاني، وخاب أمله، (4) كذلك دعا أرسلان ألمانيا إلى اثبات صداقتها للعالمين الإسلامي والعربي “بإعلان نيتها مساعدة الأمّة العربية لنيل استقلالها التام الناجز في سورية والعراق ومصر وفلسطين، وعن عزمها تقديم مساعدتها على إلغاء الوطن القومي الصهيوني تمامًا، وتعزيز استقلال الدول العربية المستقّلة، كالدولة السعودية والدولة اليمنية، وتزويدهما بالأسلحة والأعتدة العصرية”. وفي مقابل ذلك، أكّد أرسلان: “نحن (العرب) أصدقاء ألمانيا من المسلمين نحبّ أنْ يكون العالم الإسلامي حليفًا…لألمانيا يتضامن معها في الخير والشرّ”. (5)
2. صوت العروبة في وجه الصهيونية: شكيب أرسلان حتى الحرب العالمية الثانية
اعتبر أرسلان أن الصهيونية شكلًا آخر من أشكال الاستعمار، لكنها أشدَّ خطرًا منه، لأنَّها تعمل على إنشاء دولة عنصرية والاستيلاء على فلسطين وتهجير السكّان الأصليين. وأدرك، ربما تزامنًا مع تحذيرات نجيب نصّار في “الكرمل”، أنَّ مشروع تهويد فلسطين نشأ نتيجة التقاء مصالح الحركة الصهيونية والإمبريالية العالمية والشيوعية الدولية، وأنَّ واجبه يحتم عليه أنْ يكشف للرأي العام الأوروبي عن حقيقة التضافر بينهم. (6) ووصف طرقها الخبيثة في الاستحواذ على فلسطين بـ “اعتداء لصِّ من قطّاع الطرق على عابر سبيل يسلبه ماله وثيابه… وأن الذين يدعون بعد ذلك إلى الصلح بين العرب واليهود، هم أشبه بمن يدعون عابر السبيل المسلوب ماله، والمجرَّد من ثيابه، إلى مصالحة اللصِّ الذي اعتدى عليه”. (7)
وقد جعل أرسلان من مجلته “الأمّة العربية” التي كان يصدرها من جنيف منبرًا لإيصال صوته وفكره إلى الأوروبيين، والكشف بشكلٍ خاصٍ عن عداء الشيوعية والصهيونية المشترك للإسلام. فأخذ يحارب فكرة توطين اليهود إلى فلسطين، (8) وقال في إحدى مقالاته مستشرفًا المستقبل الذي تسعى إليه الصهيونية: “هل يجهل هؤلاء أنَّ حقيقة هذا المشروع (تهويد فلسطين) تتعلّق بتحويل الأغلبية العربية إلى أقليّة في فلسطين من أجل إنشاء الوطن الصهيوني”. (9)
وتساءل في مقال له: “إذا كان قد حُكم على اليهود بالشتات، أفيكون العرب مسؤولون عن ذلك؟ أيجب أنْ يُعاد شمل هذه الملّة على حساب العرب؟” ويضيف: “كان أولى بالأوروبيين الذين يعطفون على اليهود أنْ يعيدوا إليهم حقَّهم الضائع من كيسهم لا من كيس غيرهم”. (10)
وبالرغم من عدائه للصهيونية، لفت أرسلان انتباه العرب الفلسطينيين إلى أن قوتها تعود إلى التخطيط والتنظيم والتعاون. وقد استهجن البعض زيارته مستوطنة يهودية في فلسطين، وما كتبه في رسالة له إلى صديقه المناضل والسياسي السوري نبيه العظمة في العام 1922، حول تفوّق اليهود في مزارعهم في فلسطين وتحديثها بالآلات الزراعية، مطالبًا العرب الفلسطينيين بالاقتداء باليهود، لأن الزراعة هي الضمان لمستقبل فلسطين ومواجهة الخطر الصهيوني، (11) ولدحض مقولة الصهيونية إنّ فلسطين “أرض بلا شعب لشعب من دون أرض”. (12)
ومن الواضح، أنّ إعجاب أرسلان بالمستوطنات اليهودية ليس إعجابًا بالصهيونية، بقدر ما كان دعوة للعرب إلى العِلم والتنظيم والتعاون، كأهم عوامل لعملية التحرّر والنهوض. فالمعرفة والاستقلال، برأيه، توأمان لا يفترقان، (13) واستقلال العرب وحده لا يكفي، بل يجب أنْ تسود المساواة التامّة والوحدة بين الطوائف والمذاهب، وبخاصَّة في فلسطين. (14)
هذا الموقف من العِلم والمعرفة والتنظيم، هو موقف إصلاحي لأرسلان عبّر عنه في كتابه: “لماذا تأخر المسلمون وتقدَّم غيرُهم”. (15) وفي كتابه “مقدمات الفكر السياسي”، اعتبر الفيلسوف محمد شيّا أن أرسلان قدّم أعمق تشخيص فكري لأسباب انحطاط الأمّة الإسلامية؛ فالمشكلة الجوهرية ليست في الإسلام ذاته، بل في انحراف المسلمين عن مبادئه الأولى التي جمعت بين الدين والعقل والعمل والعلم. فالإسلام في نظر أرسلان، كما يشرح شيا، حضّ على عمارة الأرض، وطلب المعرفة، وإقامة النظام، غير أن المسلمين حصروه في الفقه والنقل والجدل المذهبي وانشغلوا بالإيمان عن شؤون حياتهم على الأرض، وأهملوا العلوم التجريبية والصناعية والتنظيمية التي صنعت قوة الغرب الحديث. واعتبر شيا أن أرسلان لم يهاجم الدين، بل انتقد جمود أهله، ودعا إلى نهضةٍ تجمع بين الإيمان والعقل والعلم والانضباط، مستشهدًا بأنّ الغرب لم يتقدّم بالمسيحية أو اليهودية في حدّ ذاتهما، بل بالعقل العملي والعلم التجريبي والنظام المدني. وهكذا، فسّر شيّا فكر أرسلان بوصفه مشروعًا إصلاحيًا يهدف إلى استعادة روح الإسلام الأولى في مواجهة علل التواكل والاستبداد والجهل، عبر الربط بين الدين والعمل والعقل والحرية.
من هنا، تعمَّد أمير البيان المقارنة بين تقدم اليهود وتأخر العرب المسلمين ليحثَّ الآخرين على تغيير حالهم. فاليهود متفوقون، ليس لأنهم منظَّمين، بل لأنهم يمتلكون برنامجًا لتهويد فلسطين، ويضحّون بالغالي والنفيس من أجل ذلك. وأعطى أرسلان مثلين على ذلك: الأول، المقارنة بين اليهود والعرب عقب اشتباكات البراق في العام 1929، حيث حصل الفلسطينيون المنكوبون على تبرعات بلغت نحو ثلاثة عشر ألفًا من الجنيهات، فيما حصل اليهود المتضررون من تلك الأحداث من أبناء جلدتهم على أكثر من مليون جنيه. (16)
أما المثل الثاني، فهو عدم امتلاك حركة النضال الفلسطيني ضدَّ الصهيونية برنامجًا مضادًّا، طالما أن الأحزاب الفلسطينية منقسمة على بعضها البعض. وخلال العشرينيات والثلاثينيات من القرن العشرين، انقسمت الحركة الوطنية الفلسطينية إلى تيارين متنافسين: الحسينيين بقيادة مفتي القدس الحاج أمين الحسيني، ويمثل نهجا متشددا لا يقبل المساواة مع الإنكليز، أو مع المشروع الصهيوني، والنشاشيبيين بزعامة راغب النشاشيبي، رئيس بلدية القدس سابقًا، الذي مال إلى الاعتدال والتعاون المحدود مع سلطات الانتداب، معتبرًا أنّ المقاومة السياسية ينبغي أن تُدار عبر المفاوضات لا المواجهة. وكانت أشد لحظات الانقسام إبان الثورة الفلسطينية الكبرى بين العامين 1936 و1939، ما سهل على الانتداب البريطاني قمعها.
وقد عبّر أرسلان عن أسفه العميق لهذا الانقسام بالقول: “إنّ العدوّ لا يضرب في فلسطين إلا بسلاح التفرّق، وما أيسر عليه أن يسود قومًا إذا اختلفوا على الزعامة”. فدعا إلى تشكيل قيادة وطنية موحّدة تُعبّر عن إجماع الشعب الفلسطيني، بدلا من تنازع الأسر والزعامات، كانعكاس لمرضٍ عربيّ عامّ، هو الصراع على المصالح المحلية، وعدّه سببًا مباشرًا لتعثّر مقاومة التهويد والاستعمار. كانت نظرة أرسلان إلى القضية الفلسطينية من ضمن مشروع أشمل لوحدة الأمّة الإسلامية والعربية، معتبرا أن الانقسام الحزبي لا يمزّق الصف الفلسطيني فحسب، بل يشكّل ضربةً لفكرة الوحدة العربية نفسها. من هنا، توطد لديه إيمان راسخ بأنّ وحدة القيادة الوطنية شرط لا غنى عنه لإنقاذ فلسطين من المصير الذي كانت تسير إليه.
وكان لشكيب أرسلان تجربة مباشرة مع المتخاذلين من القادة العرب. فقد رفض تهديدات خديوي مصر عباس حلمي الثاني (1892–1914) بقطع معونته المالية عنه، إذا لم يستجب لطلبه بشأن نشر دعوة التصالح بين العرب واليهود، وإقناع عرب فلسطين بالنزوح إلى شرق الأردن، والسعي لإقناع الزعماء الفلسطينيين بعدم جدوى مقاومة المشروع الصهيوني. (17) وكان الخديوي يعتقد أن استيطانا يهوديا في سيناء والعريش، سوف يجذب الاستثمارات الصهيونية إلى بلاده. أما أرسلان، فرأى في ذلك خطرًا على عروبة فلسطين، بأن يمتدّ الاستيطان اليهودي إليها. وقال: “كيف يُؤمل من أمير مسلم أنْ يسعى إلى إخراج المسلمين من فلسطين؟ أهذه المبادئ يرجو أفندينا أنْ يكون له شأن في بلاد الإسلام؟”. (18)
وبرأي أرسلان، كان الخديوي متقلّب الأفكار والأهواء بين ألمانيا وبريطانيا، ومتهورًا ومحبًّا للانتقام، (19) فيميل في كلّ مرّة إلى الجهة الراجحة في الحرب. وقد استهجن أنْ يُضبط الخديوي، كزعيم عربي–إسلامي، وهو يهرّب الذهب والعملة في سيارته ما بين سويسرا وفرنسا. (20) أما عن مدّ الخديوي أرسلان بالمال، فقد سوّغ أرسلان قبوله منه، بأنَّه للصرف على استقلال سورية. إشارة إلى أنَّ أرسلان باع مزرعته بـ 1,400 جنيه، ورهن بيته في برلين بـ 2,000 جنيه ليتمكن من الصرف على مشروعه العروبي. (21)
ومن الوقائع الرائعة النادرة التي تدلّ على وعي أرسلان السياسي المبكّر، وحرصه على استكشاف نوايا الحركة الصهيونية مباشرة، وبالتالي التصدّي لها، الاجتماع التي جمعه في جنيف مع بن غوريون، أحد قادة الوكالة اليهودية، ومع السياسي السوري إحسان الجابري في العام 1934. فعرض الزعيم اليهودي عليهما تهويد فلسطين بستة ملايين يهودي، كمشروع إنمائي حتمي لفلسطين وليس احتلالها، مؤكدا أن المشروع يحظى برعاية بريطانيا والدول الكبرى. ولإغراء أرسلان، تعهّد بن غوريون، أسوة بما تعهّد به تيودور هرتزل (Theodor Herzl) للسلطان عبد الحميد الثاني قبل أكثر من نصف قرن، بتسديد ديون السلطنة لقاء الحصول على فلسطين، وباستعداد اليهود دعم استقلال العرب وتقديم القروض لهم، في مقابل موافقتهم على مشروعهم الاستيطاني في فلسطين. إشارة إلى أنَّ الزعيم الصهيوني حاييم وايزمان (Chaim Weizmann) حثَّ فرنسا على عدم إعطاء سورية استقلالها، (22) وهو ما كان يتناقض مع تعهّدات بن غوريون لأرسلان والجابري.
وقد رفض أرسلان بشدّة عرض بن غوريون، معتبرًا أنَّ المسالة ليست اقتصادية، بل هي سياسية وقومية ودينية، وأنّ فلسطين أرض عربية إسلامية لا يملك أحد الحق في التنازل عنها، وأنّ الهجرة اليهودية تمهيدٌ لإقامة كيان استعماري غريب عن المنطقة. وأضاف أرسلان: “إن العرب سينالون استقلالهم بأنفسهم ولا حاجة إلى قروض الصهيونية” أو دعمها. وقال لبن غوريون: “لو كان قصدكم الخير بالعرب لعملتم في بلادكم لا في بلادنا، وإنّ ما تدّعونه من الإصلاح إنما هو غطاء للاستيلاء على فلسطين”. وذكر بن غوريون “أن اللقاء مع الشيخ شكيب أرسلان قد بدَّد آماله”. (23) ووصف مواقف أرسلان بـ “الصارمة والرافضة تماما”، وضد التعاون مع الصهيونية. هذه المقاومة الأرسلانية لم تجد نفعًا أمام تخاذل دول عربية والحركة الوطنية الفلسطينية، وتآمر الدول الكبرى على عروبة فلسطين. فصرّح بن غوريون: بأنّ “الصهيونية قد انتهت من وضع خطّتها النهائية لإعلان فلسطين دولة يهودية، وبأنّ اليهود، وفقا للمقولة التوراتية حول إسرائيل الكبرى، لا يستغنون عن أي قسم منها، حتى ولو كان قمم الجبال أو أعماق البحار”. (24)
وكتب أرسلان إلى أكرم زعيتر، أحد قيادات حركة القومية العربية، واصفًا مجاهرة اليهود بصهينة فلسطين بالعمل العدواني الوقح. وقال، مستشرفًا ما يحصل اليوم في ما تبقى من فلسطين، من استيلاء إسرائيل على كلِّ أراضي الفلسطينيين وطردهم وقتلهم لتحقيق مشروع “الدولة اليهودية”، بالقول: “إنَّ الخطر على فلسطين أصبح مفروغًا منه، إذا كان اليهود يتستّرون بعض الشيء في نواياهم، أمَّا الآن فأصبحوا يعلنون بدون تردّد َّأنهم آتون إلى فلسطين بستة ملايين، شئنا أم أبينا”. (25)
وفي مذكراته، كتب زعيتر معبَّرًا عن الندم الذي يجب على العرب والفلسطينيين أنْ يشعروا به، بسبب عدم الاستماع إلى تحذيرات أرسلان حول تضافر جهود الإنكليز والأميركيين والصهيونية في مشروع تهويد فلسطين. وفي حينه طرح زعيتر في يومياته السؤال التالي: “هل من الممكن إبقاء عرب فلسطين كرعايا للمملكة اليهودية، أم يجب إجلاؤهم منها لأجل استكمال طمأنينة اليهود على مملكتهم الجديدة؟”. (26)
وبعدما أعلنت إسرائيل رسميًا يهودية كلّ فلسطين في العام 2018، وعملت خلال حرب غزة منذ العام 2023 على إبادة شعبها، يظهر الدليل القاطع على أن استئصال إسرائيل الفلسطينيين من غزة والضفة والإجهاز كليًا على القضية الفلسطينية، هو مشروع يعود إلى تاريخ إنشاء المنظمة الصهيونية ومؤتمر بال في العام 1897.
3. شكيب أرسلان في مواجهة الصهيونية عشية قيام دولة إسرائيل
منذ مؤتمر بيلتمور في العام 1942، أصبحت الولايات المتحدة الداعم الرئيس للمشروع الاستيطاني الصهيوني في فلسطين. فضغطت على بريطانيا كدولة منتدبة لفتح أبواب فلسطين أمام الهجرة اليهودية. وقد اعتبر أرسلان أن تأييد الولايات المتحدة تهويد فلسطين بمشروعها مدّ أنابيب النفط من المملكة العربية السعودية إلى ساحل البحر المتوسّط في فلسطين حيلة صهيونية” لتوطيد النفوذ الأميركي الداعم لليهود ليحلّ مكان النفوذ البريطاني”. وكتب إلى المفتي أمين الحسيني بعد سنة من اعتبار واشنطن أن السعودية (1943) “أصبحت من الآن وصاعدًا ضرورة حيوية للأمن القومي للولايات المتحدة الأمريكية”، (27) يقول: “إذا سلّم الملك عبد العزيز بهذا الامتياز دون أنْ يشترط تخلّي أميركا عن القضية الصهيونية، يكون قد باع فلسطين من وايزمان وأمثاله دون أنْ يشعر”. وأضاف أمير البيان: “إنّ مساعدة الحكومة الأميركية للصهيونية قد تجاوزت حدّ التعضيد السياسي والكلام، ودخلت في شكل تسليح وتجنيد”. (28)
وبالمقارنة بين السيء والأسوأ، فضّل أرسلان “الكتاب الأبيض” البريطاني للعام 1939، الذي يعطي اليهود ثلث فلسطين، على التغلغل الأميركي في البلاد العربية القائم على مناصرة الصهيونية ودعمها للاستحواذ على كامل البلاد. واعتبر أنّ بريطانيا التي هي أصل البلاء، أصبحت “أخفّ شرّاً” مقارنة بأميركا. (29)
وفي 19 كانون الأول 1945، أصدر الكونغرس الأميركي قرارًا رسميًّا صريحًا حول سياسة بلاده المقبلة تجاه فلسطين، يقضي بجعلها وطنًا قوميًا لليهود عبر فتح أبوابها أمام هجرتهم إليها. (30)
وبعد ثلاثة عقود من موقف أرسلان هذا، وعلى خطاه تقريبا، تمنَّى عالم الإسلاميات الألماني الراحل فريتس شتبات (Fritz Steppat) لو أنَّه جرى دمج اليهود في مجتمعاتهم الأوروبية، لكان ذلك وفرَّ مشكلة خطيرة على العالم. وأضاف: “إنَّ إصرار اليهود على وطن قومي لا يسوّغ لهم الاستيلاء على فلسطين. فكان عليهم أنْ يفتشوا عن أرض خالية حيث لا يواجهون مقاومة”. لكن شتبات يستدرك “بأنَّ القومية ليست عقلانية على الدوام”. وقد انتقد العالم الألماني أخلاقيات بريطانيا بإصدارها “تصريح بلفور”، بأنَّ “العالم انتزع من عالمهم (العرب) قطعة أرض من أجل حلِّ مشكلة لا علاقة لهم بنشوئها”. (31) وخلص إلى نفس استنتاجات شكيب أرسلان المُبكِّرة، بأّنَّ الكيان الصهيوني هو غريب عن المنطقة ومتحالف مع الإمبريالية، وزرعِهِ في قلب الأمّة العربية، هو ضدَّ حركة التاريخ التي كان يجب أنْ تؤدّي إلى إعطاء الشعب الفلسطيني استقلاله الوطني وحقَّه في تقرير المصير. (32) ويختم شتبات بالقول: “لا يمكننا … أنْ نتجاهل أنَّ إنشاء الدولة اليهودية قد انتهك حقوقًا عربية حيوية، حيث يشعر العرب أنَّهم مهدَّدون من خلال ذلك، وأنَّ اعتداءً قد أصاب كرامتهم، بينما إنشاء إسرائيل هو سبب النزاع في الشرق الأدنى”، (33) أي تمامًا كما توقّع أرسلان قبل عقود من إنشاء دولة إسرائيل.
وبينما ركزت الأدبيات على دور بريطانيا والولايات المتحدة في إنشاء إسرائيل، أكّد شتبات مسؤولية ألمانيا عن تهويد فلسطين عبر اضطهاد اليهود عندها، وبالتالي تسهيل هجرتهم إلى فلسطين وتقديم الحوافز لهم. وسبق لأرسلان أن عارض “اتفاق الترانسفير” (Haavara Transfer) المعقود في العام 1933 بين “حزب العمّال الوطني الاشتراكي” (Nationalsozialistische Deutsche Arbeiterpartei = NSDAP) بزعامة أدولف هتلر الذي وصل إلى السلطة مطلع العام 1933، وبين “الوكالة اليهودية” (Jewish Agency) المهتمّة بشراء الأراضي وتطوير الاستيطان الصهيوني في فلسطين، (34) وأنْ تتعاون ألمانيا وبريطانيا في عملية تهويد فلسطين. (35)
وقد بلغ عدد اليهود الألمان الذين هاجروا إلى فلسطين بموجب الاتفاق المذكور في الفترة ما بين 1933 و1941 (53,200) نسمة، شكّلوا نسبة 25% من إجمالي اليهود المهاجرين إلى فلسطين في الفترة الزمنية تلك. (36)
وفي سبيل شرح القضية الفلسطينية للألمان، حاول أرسلان مقابلة هتلر مرتين خلال العامين 1934 و1938، لكن من دون جدوى. وقد اتهم أرسلان ألمانيا النازية في العام 1942 التي كانت تتطلع إليها الحركة العربية “بالسكوت التام عن قضية تهويد فلسطين. وقال: “إننا لم نقرأ كلمة واحدة فقط لما سيكون عليه موقف ألمانيا من مصير فلسطين بعد نهاية هذه الحرب”. وتساءل: هل أنّ صمت ألمانيا عن تهويد فلسطين يعود إلى مراعاتها لبريطانيا وسعيها إلى الصلح معها؟ ورأى أرسلان استحالة عقد الصلح بين الدولتين لوجود “صراع حياة أو موت لا ثالث لهما”، في حين تجمع عداوة تاريخية بين ألمانيا واليهود. من هنا، طالب أرسلان ألمانيا “بإبطال المشروع الذي يقال له الوطن القومي الصهيوني”. (37)
4. الاستنتاج
هكذا، تشاركت دول الاستعمار، التقليدية والمستجدة، معًا، في زرع الكيان الصهيوني في فلسطين. وقبل وفاته بساعات قليلة في التاسع من كانون الأول 1946، قال لصديقه السياسي اللبناني عبد الله المشنوق:”أوصيكم بفلسطين”. ولم تكن هذه الوصية لصديق فحسب، بل للأمّة العربية كلّها وقادتها، ذلك أنَّه اعتبر مصير الأمّة العربية مرتبطًا بفلسطين، وأنّ العرب لن ينالوا الحرّية إلّا بإنقاذ فلسطين، ولا تكون طريقة نجدتها إلّا بعمل حازم من جانب الدول العربية. (38)
فإذا انتصر الشعب الفلسطيني، أضاف أرسلان، فإنَّ العرب هم المنتصرون في النهاية. إلا انه يستدرك أنّ ذلك يتوقف على نبذ العرب والفلسطينيين الشقاق والخلافات في ما بينهم، والانصياع إلى التفكير العلمي العقلاني. وهذه المسألة الأخيرة ظلت مهمّة جدًا بالنسبة إلى فكر أرسلان الإصلاحي، وثبت أنها أساسية في عملية النهوض الوطني والقومي، وإلا لما ضاعت فلسطين. (39)
وبعد ثمانية عقود من رحيله، تكشّفت وصية أرسلان عن صدقيّة استشرافه المبكر. فما حذّر منه من مخطط لتهويد فلسطين بكاملها، وما واجهه من تخاذل عربي وانقسام فلسطيني رأى فيهما العائق الأكبر أمام إنقاذها، يتجسّد اليوم في أوضح تجلياته: مشروع إسرائيلي معلن بعد طوفان الأقصى لاستكمال تهويد الأرض من النهر إلى البحر، عبر الاستيلاء على قطاع غزة وضمّ الضفة الغربية. فخلال شهر آب 2025، جاهر نتنياهو في مقابلة تلفزيونية مع قناة “i24” الإسرائيلية، بحلم مثير حول مشروعه الحربي لتدمير الوجود الفلسطيني في القطاع والضفة، حين قال: “إنني في مهمة تاريخية وروحانية ومرتبط عاطفيًا برؤية إسرائيل الكبرى”. (40)
فحدد ملامح عقيدة توسعية ممتدة راسخة منذ زمن أرسلان ونشأة الحركة الصهيونية، تتجاوز حدود الدولة المعترف بها دوليًا، لتصل إلى القضاء على الوجود الفلسطيني فيهما. (41) وفي ظلّ المشهد العربي والفلسطيني المنقسم على نفسه الذي حذّر منه أرسلان بوصفه “سلاح العدوّ” الأمضى، لا تبقى كتابات أرسلان شهادة تاريخية على مرحلة فات أوانها، بل تبقى مرآة يقرأ فيها المرء استمرارية المشروع الصهيوني منذ أواخر القرن التاسع عشر.
الحواشي
1 آخر ما صدر عن مواقف أرسلان من القضية الفلسطينية: فلسطينكم أيها العرب. جهود شكيب أرسلان في نصرة فلسطين، جمع وإعداد فضيلة الشيخ أبي عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان، مجلدان، (الرباط، مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية، 2022).
.2 Alfred Montefiore Hyamson, The British Consulate in Jerusalem in Relation to the Jews of Palestine, 1838–1914,(London, Routledge & Kegan Paul, 1939). مكان النشر: London
3 David Yisraeli, “Germany and Zionism” Jehuda L. Wallach (Ed.), Germany and the Middle East 1835 – 1939, Tel Aviv 1979, p. 143 ؛ علي محافظة، العلاقات الألمانية-الفلسطينية. من إنشاء مطرانية القدس البروتستانتية وحتى نهاية الحرب العالمية الثانية، (بيروت، المؤسسة العربية، 1981)، ص 173 وما يلي.
4 نشر مصطفى كامل في 23 تشرين الأول 1905 مقالًا في صحيفة ألمانية بعنوان: “الإمبراطور وليم الثاني والإسلام”، قال فيها: “هل تستطيع ألمانيا أنْ تدّعي صداقة الإسلام عندما تتخلّى عن مصر وتسمح لبريطانيا أنْ تستأثر بالسلطة العليا على كلّ العالم الإسلامي”. وأضاف: “إنّ الإسلام لا يستطيع أنْ يمنح صداقة كاملة غير مجزأة إلّا للدولة التي تفكر في إنقاذ مصر التي هي روح العالم الإسلامي”. Berliner Tageblatt, 23. Okt., 1905
5 نقلًا عن: تركة البروفسور الألماني الراحل غرهارد هوب، “شكيب أرسلان، مطالبنا”، محفوظة لدى: Zentrum Moderner Orient, Berlin,، ص 426 – 429.
6 ظاهر محمد صكر الحسناوي، شكيب أرسلان. الدور السياسي الخفي 1869– 1946، (بيروت، نجيب الريس، 2002)، ص 122.
7 نقلًا عن: الحسناوي، ص 121.
8. Jüdisches Wochenblatt, 13 . 2. 1925. مقال محفوظ لدى: Deutsches Zentralarchiv- Auswärtiges Amt, politische und wirtschaftliche Verhältnisse Arabien, Allgemeines 42514.
9 نقلًا عن: الحسناوي، ص 122.
10 قلًا عن: هاني فحص (السيد)، “شكيب أرسلان والقضية الفلسطينية”، ندوة الأمير شكيب أرسلان. عطاؤه الفكري ومنهجه الإصلاحي، المعهد العالي للدراسات الإسلامية، بيروت 27 و28 تموز 2002، ص 5.
11 أوراق نبيه العظمة. “رسالة من الأمير شكيب أرسلان (برلين) إلى نبيه العظمة (شرقي الأردن) في 11/3/1922 حول ضرورة النهضة الزراعية في البلاد العربية، وخاصّة في شرقي الأردن لمواجهة الخطر الصهيوني، وأيضًا لسمعة الاستقلال السياسي”، برلين آذار 1922، أوراق عربية، ملف 401/8، الرعيل العربي الأول، ص 174 -175.
12 نقلًا عن: Gudrun Krämer, Geschichte Palästinas, (München, Beck, 2003), p.54.
13 سليم بركات، “القومية العربية عند شكيب أرسلان”، جريدة الأسبوع الأدبي، عدد 1105، 31 أيار 2008.
14 فحص، ص 3.
15 شكيب أرسلان، لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدم غيرهم، تقديم محمد رشيد رضا، (القاهرة، دار البشير، لات).
16 “حقائق عن قضية فلسطين”، حلقة 3، موقع: دار الولاية للثقافة والإعلام، 24 آب 2011 http://alwelayah.net/?p=34310
17 تركة البروفسور الألماني الراحل غرهارد هوب من الوثائق الرسمية المحفوظة لدى Zentrum Moderner Orient, Berlin، نقلًا عن: رسالة من الأمير شكيب أرسلان إلى مفتي فلسطين الحاج أمين الحسيني، جنيف 29 ذي الحجة 1361 (7 كانون الثاني 1943)، ص 299.
18 نقلًا عن: الحسناوي، ص 121.
19 الجميّل، ص 23.
20 تركة البروفسور الألماني الراحل غرهارد هوب من الوثائق الرسمية، نقلًا عن: رسالة من الأمير شكيب أرسلان إلى مفتي فلسطين الأكبر الحاج أمين الحسيني، جنيف 29 ذي الحجة 1361 (7 كانون الثاني 1943)، ص 299.
21 الجميّل، ص 24.
22 أمين مصطفى، الاتصالات السرية العربية الصهيونية 1918-1993، (بيروت، دار الوسيلة، 1994)، ص 239.
23 نقلًا عن: أمين مصطفى، مرجع سبق ذكره. وقارن بـ: Philip Matar, Encyclopedia of Palestine, p. 555.
24 نقلًا عن: شفيق الرشيدات، فلسطين تاريخًا … وعبرة … ومصيرًا، (بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 1991)، ص 122.
25 نقلًا عن: الحسناوي، ص 125.
26 نقلًا عن: الحسناوي، ص 125.
27 نقلًا عن: رؤوف عباس، “أمريكا والشرق العربي في الحرب العالمية الثانية”. تأليف مشترك، السياسة الأمريكية والعرب، ط2، (بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 1985)، ص 38 – 39.
28 نقلًا عن: تركة البروفسور الألماني الراحل غرهارد هوب من الوثائق الرسمية، نقلًا عن: رسالة من الأمير شكيب أرسلان إلى مفتي فلسطين الأكبر الحاج أمين الحسيني، جنيف، 8 جمادى الثانية 1362 (1 حزيران 1944)، ص 312- 314.
29 المرجع نفسه، ص 314 – 316.
30 الرشيدات، فلسطين تاريخًا ص 130 – 131.
31 عبد الرؤوف سنّو، “الإسلام والقضايا العربية في كتابات عالم الإسلاميات فريتز شتبات”، مجلة: تاريخ العرب والعالم، الحلقة الثانية، 170 (1997)، https://tinyurl.com/bdd9zwep ، ص 11- 13.
32 سنّو، الإسلام والقضايا العربية، ص 11.
33 نقلًا عن: سنّو، الإسلام والقضايا العربية، ص 13.
34 نظّم الاتفاق هجرة اليهود الألمان إلى فلسطين، والسماح لهم بتحويل نصف أموالهم إلى فلسطين، والشراء بالنصف الآخر سلعاً ألمانية يصدّرونها إلى فلسطين.
35 سنّو، “الإسلام والقضايا العربية، ص 11- 12.
36 علي محافظة، العلاقات الألمانية – الفلسطينية من إنشاء مطرانية القدس البروتستانتية وحتى نهاية الحرب العالمية الثانية 1841 – 1945، (بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر،1981)، ص 206.
37 نقلًا عن: تركة البروفسور الألماني الراحل غرهارد هوب، شكيب أرسلان، “مطالبنا”، ص 426 – 429.
38 نقلًا عن: فحص، “الأمير شكيب أرسلان والقضية الفلسطينية”، ص 1 – 2.
39 الحسناوي، ص 123.
40 “تصريح نتنياهو عن “إسرائيل الكبرى” يثير غضبا واسعا بين المغردين“، تلفزيون الجزيرة، 13/8/2025.
41 محمود الحنفي، “لماذا كشف نتنياهو عن “إسرائيل الكبرى” الآن؟”، الجزيرة نت، 15/8/2025.”


