أكرم حسن
جريدة الحرة ـ بيروت
ترجّل عن صهوة الجواد ومشى صوب النهايات الحزينة. كنا قد اعتدنا غياباته القصيرة، وهو اعتاد أن يرتاح بعد الخسارات، ليعود بأملٍ واهٍ قبل اكتمال الهزائم.
ربما فاتنا قبل اليوم أن نسأل أنفسنا: كم أحببناك؟ وكم تركتَ فينا شيئًا منك؟ نعم… “خايف كون عشقتك وحبيتك”، لكني بحق عشقتك وأحببتك، حتى بتُّ أردد عباراتك دون انتباه، أو عن قصد. أخاف أن “يسألوني الناس عنك”، لكنني أخشى أكثر أن أسأل عنك الأزقة والشوارع ومفاتيح البيانو. أخشى أن يكون الهدوء نسبيًّا بعدك، لكن الذي يخالجني أنه سيكون صمتًا قاتلًا. نعم، أحببناك في حياتك، كيفما كنت، وسنسأل الناس والأماكن عنك، وسوف يكون بعدك سكونٌ وخوفٌ على الذاكرة من أن تعتاد غيابك.
أيها الزياد المختلف، والذي يشبهنا في آن، ها أنت أيضًا ترحل تاركًا وراءك الشعب المسكين، وقد وعدته ذات مرة أنك قادمٌ معه. ودّعته وودّعتنا لأن “في وقت فراق”، ولأنّه “صار لازم تودّعنا”. رحلت وتركت القصائد والأغاني عن الجنوب بعد أن “خلُصِت”، وبعد أن أضحى الجنوب ولبنان ممزقَين بين ألمٍ، و”حالة تعبانة”، وشعبٍ عنيد لا يدرك سبب عناده.
“كيفك إنت؟ ما الله إنت!”، كيفك وأنت ترنو إلينا من مكانك اليوم؟ هل سألت نفسك يومًا: “قديش كان في ناس ناطريناك عَالمفرق، بالقهوة، وعلى موقف دارينا؟”. ربما أنا، وغيري، اخترنا السكوت والحب الذي لا يعرف الكلمات، لكنك لو سألتنا إن كنا نختار أن “تفل أو تضل”، لقلنا لك بكل فخر: إنك أبًا عن جدّ، صوتنا، ورائحة ملابسنا، وفرحة أيامنا القاتمة.
أخالك فتحت عينيك هذا الصباح، فسبقتك ابتسامةٌ إلى الرحيل. وبعد انتشار النبأ، أحلتَ نهارنا إلى حزنٍ يذرف دمع غيابك. كان اليأس قد تملّكنا، فتذكّرنا اليوم أننا لم نسألك السؤال الذي كنت تمقته: “بالنسبة لبكرا شو؟”. فكل الأحاديث لا تُجدي، لأنك لم تعُد بيننا، ولأن بعدك “كل شي فاشل”، وبأحسن الأحوال ستكون أيامنا “فيلم أميركي طويل”.
ترجع الصورة نحن وياك، وسترجع بنا أكثر من بعد فراقك، وهذه معلومات أكيدة. فأنت الاستثناء في تناقض المشاعر التي أثرتها في المتحلّقين حولك. أحبك وعشقك من تشارك معك رؤيتك ونظرتك للحياة، وأغضبت من كانوا في “المقلب الآخر”، لكنهم أيضًا أحبوك، وتسابقوا في رحلة عشقك. أخذتنا إلى المكان الذي وقفت فيه، ربما لأن صدقك وحلمك كانا كفيلَين بأن نتناسى أنك تصدّرت مرارًا “المقلب الآخر”، لكنك بقيت الخصم العنيد الشريف في آن.
زياد الرحباني، هُويتَ اليوم. كسرك المرض، والحزن، وسقوط الأمل، وأنت القائل: “لولا فسحة الأمل”. كسرك الشعب العنيد والكرامة الباقية فيه ومنه. قبل اليوم، كان لسان حالنا: “يا ريت بتبقى، بتبقى عطول، حتى ولو زعلي طول أنا وياك”. فخذلتنا لأول مرة، ومشيت في دروب نهاياتك.
زياد الرحباني، يا صخرةً وأرزةً من بلادي، ويا واحدًا من قلةٍ من الكبار صنعوا مجد هذا البلد، وقلّدوا ساحاته بالغار والفخر، فيما نحن نمعن في تشليع أحلامه وتهجير أبنائه. زياد، يا ابن فيروزنا، وسليل العاصي، يا صاحب الفكر والإبداع، والأنامل الساحرة، والنغمات التي تخلب الألباب. يا رفيق شارع الحمرا ورفيق صبحي الجيز، جربنا جميعًا أن نتنازعك، أن نتقاسمك، وأن نجعل منك صوتنا وصوت الذين لا صوت لهم. أن نكبر بوقوفك معنا، فتفضحنا ابتسامتنا وهي تخاطب جموع الجماهير: كيف لا نكون على حق والزياد معنا؟ اختلفنا على كل شيء تقريبًا، واتفقنا على أنك الرمز والنبوءة، وأنك الأجرأ في اختيار الكلمات التي، وإن عجزنا عن فهمها يومها، فقد عدنا ورددناها خلفك بعد حين.
يا أيها الراحل إلى دنياك الجديدة، تاركًا في جعبتنا الكثير منك. يا أيها السائر على خطّ الشفق، وفيك الكثير من الحزن على عمرٍ ضاع، وأحلامٍ مهدورة، لا تحزن، ولا تيأس منا، ومن عالمٍ أبى أن ينهض، أو أن يدرك خطر زمان الطائفية ونهاياته القاتلة. يا أيها الفارس الذي قتله حنين المقتول لسكين القاتل، ورغبة الانتحار الجماعي الذي يغمر عالمنا العربي والوطن الصغير. إليك يا زياد، ولم ألقَكَ يومًا، إليك كل الحب، وأشواكٌ من الحزن تغمر قلبي، وفسحة أملٍ تركتها فيَّ، ووعدٌ بأن: “حدا من اللي بيحبونا يسلموا عاللي كان يحبونا، تيضلوا يعزّونا”.


