جريدة الحرة ـ بيروت
وكالات ـ انتهت لجنة جائزة البوكر الدولية للعام 2025 إلى اختيار ست روايات في قائمتها القصيرة التي يعلن الفائز منها يوم العاشر من نوفمبر/ تشرين الثاني، وتضم ثلاثة روائيين وثلاث روائيات تجسد أعمالهم أسئلة البحث عن الهوية ومواجهة انهيار الذات بمعانيها المتنوعة اجتماعياً وفلسفياً وسياسياً، عبر تجارب متعددة يخوضها أبطالهم، والتي اختيرت بعد جهد كبير أعرب عنه الناقد البريطاني وأحد أعضاء لجنة التحكيم كريس باور، الذي قال إن اللجنة “ناقشت الشكل والمضمون وحتى حجم الخط، حتى وصلت إلى هذه النتيجة”.
في روايتها “وَحدَة سونيا وصَني”، تعالج الكاتبة الهندية الأميركية كيران ديساي مسألة الصراع بين الانتماء والاغتراب من خلالها بطلها صَني، وهو صحافي هندي الأصول يعمل في نيويورك، ويطالع أخبار الهند عبر الصحف، محاولاً فهم ما يجري فيها من أحداث وقضايا، غارقاً في التشويش بسبب العجز عن التأقلم في نيويورك، وعن فهم بلده الأمّ.
وفي المقابل، يدخل قصة حب مع “سونيا”، التي تكتب الأدب، وتطرح التساؤلات حول معضلة الكاتب الهندي، وإذا ما كان يستسلم لمحاكاة الصور النمطية الغربية في مؤلفاته بحثاً عن شكل بلا معنى. إلى أن تنتهي إلى رؤية محورية في رحلتها للبحث عن الهوية والتي تتقاطع مع صَني عبر مقولة “لا لكتابة الهراء الاستشراقي وابتذال الوطن، وإلا ظنّ الناس أن هذه هي الهند الحقيقية”.
أعمال تروي صراعات الإنسان في الغرب مع قضايا الهوية والانتماء
ذهب الروائي البريطاني أندرو ميللر إلى سياق مختلف، ففي روايته “أرض الشتاء”، يعود إلى فترة التجمد الكبير في بريطانيا وأيرلندا عام 1963، عبر حكاية عائلتين ريفيتين متجاورتين، تعيش كل منهما تحدياتها وآمالها بصمت، ثم يحل شتاء قاسٍ يجسد اختباراً لمدى قدرتهم على مواجهة التحديات التي لا تقتصر على البرد، فالنظام الطبقي في محيطهم الاجتماعي على وشك السقوط، والفكر النسوي يتشكل من خلال النساء وأدوارهن المحورية الآخذة في الظهور. وفي ظلال هذا كله، يختبر الكاتب شخصياته التي تنتظر التغيير الذي لا يأتي سريعاً بما يكفي لإنقاذها من برد الطقس وعزلة الأرواح.
وبعيداً عن الارتهان لقوى الطبيعة وسطوة المجتمع والرغبة في التغيير، تقدم الروائية الأميركية سوزان تشوي في روايتها “مصباح يدوي” حكاية فتاة تبحث في اختفاء والدها، ما يحيلها إلى رحلة تتقاطع مع الجغرافيا وأحداث التاريخ الكبرى، امتداداً من أميركا والمحيط الهادئ وصولاً إلى اليابان، لتستعيد سيرة والدها كوري الأصل ياباني المولد، ووالدتها الأميركية، ما يقودها إلى طرح أسئلة عبر الرواية عن مفهوم الهجرة والاختفاء ومصائر المهاجرين، وغيرها.
أما الكاتب الأميركي البريطاني بنجامين ماركوفيتز، فاختار في روايته “بقية حياتنا” الدخول إلى عقل رجل في منتصف العمر، وهو أستاذ قانون يعاني من الوحدة ويخوض معركة للحفاظ على صحته، ويرى تغيرات ثقافية واجتماعية في بلاده أميركا، فتزداد عزلته، ما يحيله إلى رحلة في أنحاء الولايات بحثاً عن شغفه المفقود من خلال ذكرياته التي يحلم بتجسيدها في ماضيه وأصدقائه القدامى وإعادة اكتشاف ذاته.
ويظل البحث عن الذات فكرة مهيمنة، ففي رواية “لحم” للكاتب الهنغاري البريطاني ديفيد سزالاي، يبدأ فتى فقير يعيش في هنغاريا رحلة الانتقال من الفقر إلى المكانة الاجتماعية عبر ظروف معقدة تنتقل به للمشاركة في حرب العراق ثم إلى حياة المجتمع المخملي في لندن، وما بينها جميعاً، تتشابك الرغبة في السلطة والمال مع التنازلات التي تعيد صياغة الإنسان ومدى قدرته على احتمال التشظي في سبيل أحلامه.
وهو ما يصل بنا إلى آخر روايات القائمة القصيرة لليابانية الأميركية كاتي كيمارو، التي حملت روايتها “تجربة أداء” صورة أخرى من صور البحث عن الذات، عبر امرأة تنتقل لتمثيل الأدوار من المسرح إلى الحياة، محاولة ألا تنسى نفسها وأفكارها في ظل واقع مليء بالتناقضات يفرضه عليها ظهور ابنها، الذي غادرها منذ أعوام طويلة، بعقلية وثقافة ورؤى مختلفة، تجعل الأم ممثلة لجيل آخر وأحلام أخرى، ومعرضة للتحطم مقابل مصالحة محتملة مع الابن.


