الأكثر قراءة

قانون الإعلام الجديد في لبنان.. بين تحديث التشريع واختبار استقلال الصحافة

جريدة الحرة بيروت

بقلم: د. فريد لخنش مدونة الكاتب د. فريد لخنش

يدخل الإعلام اللبناني مرحلة مختلفة مع إقرار قانون جديد يحاول مواكبة التحولات التي طرأت على المهنة خلال السنوات الأخيرة، بعدما تجاوزت الصحافة حدود الصحيفة والإذاعة والتلفزيون لتصبح المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي جزءًا أساسيًا من صناعة الخبر وتشكيل الرأي العام.

غير أن أهمية القانون لا تتوقف عند قدرته على استيعاب هذه التحولات التقنية، بل ترتبط بصورة أكبر بالحدود التي سيرسمها بين حق الدولة في تنظيم القطاع وحق الصحفي في ممارسة عمله باستقلالية. وهنا تحديدًا تبدأ الأسئلة الأكثر أهمية: هل يستطيع التشريع الجديد أن يحمي الإعلام من الفوضى الرقمية من دون أن يضع قيودًا جديدة على حرية الصحافة؟

المشكلة اللبنانية لم تكن في غياب القوانين فقط، وإنما في وجود بيئة إعلامية شديدة التعقيد تتداخل فيها السياسة مع الاقتصاد والإعلان والملكية والنفوذ. ولذلك فإن تنظيم الإعلام الرقمي يمكن أن يشكل فرصة لإعادة ترتيب العلاقة بين المؤسسات الإعلامية والجمهور والسلطة، خصوصًا مع اتساع انتشار الأخبار غير الدقيقة والمحتوى المضلل وسرعة تداول المعلومات قبل التحقق منها. لكن التنظيم لا يصبح إصلاحًا حقيقيًا بمجرد وضع قواعد جديدة، بل يحتاج إلى معايير واضحة تمنع استخدام النصوص القانونية بطريقة انتقائية. فالصحفي يحتاج إلى معرفة الحدود التي يتحرك داخلها، والمؤسسة الإعلامية تحتاج إلى قواعد مستقرة، والجمهور يحتاج في المقابل إلى حماية من التضليل دون أن تتحول مكافحة الأخبار الكاذبة إلى مدخل لتقييد الأخبار التي تزعج أصحاب النفوذ.

ومن أكثر المسائل حساسية في هذا السياق مسألة العقوبات. فالمجتمع يحتاج إلى إعلام مسؤول، والصحفي مطالب بالتثبت من المعلومات واحترام حقوق الأفراد، لكن الخطأ الصحفي لا يمكن أن يعامل دائمًا بالطريقة نفسها التي يعامل بها التضليل المتعمد أو الحملات المنظمة. وكلما اتسعت العبارات القانونية التي تحدد المخالفات، ازدادت الحاجة إلى تفسير قضائي دقيق يميز بين النقد المشروع والمعلومة الكاذبة، وبين الخطأ المهني المتعلق بالتحقق والجريمة المتعمدة. ولذلك فإن مستقبل القانون سيتوقف إلى حد كبير على كيفية تطبيق مواده، وليس فقط على صياغتها، لأن النص الجيد يمكن أن يفقد قيمته إذا تحول التطبيق إلى مساحة للتأويل السياسي.

ويبرز في المقابل ملف استقلال الجهة التي ستتولى تنظيم القطاع. فوجود هيئة ناظمة مستقلة يمكن أن يمثل خطوة مهمة إذا استطاعت الفصل بين وظيفتها التنظيمية وبين التأثيرات السياسية والاقتصادية. أما إذا أصبحت الجهة المنظمة مرتبطة بصورة مباشرة أو غير مباشرة بمراكز النفوذ، فقد تتحول عملية التنظيم من وسيلة لحماية التعددية الإعلامية إلى وسيلة لإعادة توزيع النفوذ داخل القطاع. لذلك لا يكفي أن تكون هناك هيئة جديدة؛ الأهم هو ضمان استقلالها، ووضوح صلاحياتها، وإخضاع قراراتها لآليات شفافة للمراجعة والمساءلة.

كما أن الحديث عن إصلاح الإعلام اللبناني لا يمكن فصله عن مسألة الملكية والتمويل. فاستقلال المؤسسة الإعلامية لا يتحدد فقط بحرية الصحفي داخل غرفة الأخبار، وإنما يتأثر أيضًا بالجهة التي تمول المؤسسة وبطبيعة المصالح المرتبطة بها. ومن هنا تكتسب الشفافية في الملكية ومصادر التمويل أهمية خاصة، لكنها يجب أن تترافق مع حماية التعددية ومنع الاحتكار. فالإعلام الذي تتركز ملكيته في أيدي مجموعات محدودة قد يبقى معرضًا للتوجيه السياسي حتى في ظل وجود قوانين متقدمة للحريات، لأن النفوذ يمكن أن ينتقل من غرفة الأخبار إلى مجلس الإدارة أو شبكة المصالح الاقتصادية المحيطة بالمؤسسة.

وتزداد صعوبة المشهد مع التحول المتسارع نحو الإعلام الرقمي والذكاء الاصطناعي. فالصحفي لم يعد يواجه فقط خطر الخطأ في نقل المعلومة، بل أصبح أمام محتوى يمكن إنتاجه وتعديله خلال دقائق باستخدام أدوات قادرة على تركيب الصور والأصوات ومقاطع الفيديو بطريقة يصعب على الجمهور اكتشاف زيفها. وهذا يفرض على المشرّع اللبناني التفكير بصورة مستمرة في تحديث الإطار القانوني، لأن القانون الذي يلاحق التكنولوجيا بعد ظهورها بسنوات قد يجد نفسه دائمًا متأخرًا عن الواقع. ومن هنا، لا ينبغي أن يكون القانون الجديد نقطة نهاية للإصلاح، وإنما قاعدة يمكن تطويرها كلما تغيرت أدوات صناعة المعلومات.

والاختبار الحقيقي للتشريع الجديد سيظهر عندما تتعارض حرية الصحافة مع مصالح سياسية أو اقتصادية قوية. فالقانون الذي يحمي الإعلام في الظروف العادية لا يثبت فعاليته إلا عندما يسمح للصحفي بطرح الأسئلة الصعبة، وانتقاد أداء المسؤولين، وكشف مواطن الخلل، من دون أن يتحول ذلك إلى مخاطرة قانونية غير محسوبة. وفي المقابل، تحتاج الحرية نفسها إلى مسؤولية مهنية تمنع تحويل المنصات الإعلامية إلى مساحة للفوضى أو التشهير أو نشر المعلومات غير الموثوقة.

لذلك يمكن النظر إلى قانون الإعلام الجديد في لبنان باعتباره اختبارًا مزدوجًا: اختبارًا لقدرة الدولة على تحديث التشريع بما يتناسب مع العصر الرقمي، واختبارًا لقدرتها في الوقت نفسه على احترام استقلال الصحافة. نجاح القانون لن يقاس بكثرة المواد التي يتضمنها أو باتساع صلاحيات الجهات المنظمة، وإنما بقدرته على إيجاد توازن حقيقي بين الحرية والمسؤولية، وبين مكافحة التضليل ومنع التقييد، وبين تنظيم السوق وحماية التعددية. وإذا نجح لبنان في تحقيق هذا التوازن، فقد يتحول القانون إلى خطوة لإعادة بناء الثقة بالإعلام؛ أما إذا طغت الاعتبارات السياسية على تطبيقه، فقد يجد الصحفي نفسه أمام واقع جديد تكون فيه الرقابة الذاتية هي الثمن غير المعلن لممارسة المهنة.

https://hura7.com/?p=83421

الأكثر قراءة