الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

قانون القوة وانكسار السيادة

جريدة الحرة بيروت

بقلم : علي خليل ترحيني مدونة الكاتب علي خليل ترحيني

يواجه النظام الدولي في هذه المرحلة التاريخية المفصلية اختباراً وجودياً يتجاوز مجرد الصراعات السياسية العابرة، ليصل إلى عمق البنية القانونية والأخلاقية التي تأسست عليها العلاقات بين الدول. إن ما نشهده اليوم ليس مجرد خروقات موضعية للمواثيق الدولية، بل هو عملية تقويض ممنهجة لجوهر سيادة القانون، واستبداله بمنطق القوة المحضة التي تمنح الطرف الأقوى حصانة مطلقة من المحاسبة، وتشرعن له استخدام كافة وسائل الإبادة والدمار تحت مسميات براغماتية وأمنية مستحدثة. هذا التحول ينذر بنهاية عصر المؤسسات الدولية كما عرفناها، والانتقال نحو غابة رقمية وعسكرية تدار بآليات الغدر والمباغتة، حيث يُصنف البشر وفق موازين القوى إلى فئات تملك حق الحياة والدفاع، وأخرى تُسلب منها أبسط مقومات الوجود الإنساني.

لقد كشفت التحولات الجيوسياسية الأخيرة عن ثغرات قانونية بنيوية في ميثاق الأمم المتحدة كانت تُستخدم لعقود كأدوات للهيمنة. إن المادة التي تمنح القوى الكبرى حق النقض “الفيتو” لم تعد أداة لحفظ السلم والأمن الدوليين، بل تحولت إلى درع قانوني يحمي الممارسات العدوانية ويمنع أي محاولة جادة للمساءلة أمام المحاكم الدولية. هذا الارتهان التنفيذي جعل من القرارات الدولية مجرد توصيات أخلاقية تفتقر إلى الفاعلية، بينما يُفعل “الفصل السابع” بصرامة انتقائية ضد الدول التي ترفض الانضواء تحت المظلة الإمبريالية. هذه الازدواجية الفجة في المعايير هي التي رسخت القناعة لدى الشعوب المظلومة بأن النظام الدولي الحالي ليس سوى هيكل صوري يخدم مصالح القوي ويشرعن جرائمه.

علاوة على ذلك، يبرز التوظيف السياسي لمفهوم “الدفاع عن النفس” كأحد أخطر المزالق القانونية في العصر الحديث. فمن خلال التفسير المطاطي للمواد الأممية، يتم تبرير العمليات العسكرية الواسعة التي تستهدف البنى التحتية المدنية والمستشفيات والكوادر الطبية، بزعم أنها ضرورة أمنية لاجتثاث الإرهاب. إن هذا الخطاب لا يكتفي بشرعنة القتل، بل يذهب نحو نزع الصفة الإنسانية عن الضحايا، وتصوير المجازر المرتكبة بحق الأطفال والنساء كأضرار جانبية في معركة “حضارية” مزعومة. هذا التوصيف لا يهدف فقط إلى كسب الوقت عسكرياً، بل يسعى إلى خلق واقع موازٍ تضيع فيه الحقيقة وسط ضجيج التضليل الإعلامي، مما يجعل المجتمع الدولي يقف عاجزاً أو متواطئاً أمام هول المشهد.

وفي سياق متصل، تلعب الهيمنة التكنولوجية والذكاء الاصطناعي دوراً محورياً في تكريس هذا الطغيان. لقد تحولت التكنولوجيا من أداة لخدمة البشرية إلى “مقصلة رقمية” تُستخدم لإدارة عمليات اغتيال مباغتة وتدمير ممنهج للقدرات الوطنية للدول المستهدفة. إن التحكم في الخوارزميات والمنصات الرقمية يسمح بفرض حصار معلوماتي يغيب الرواية الصادقة ويبرز السردية المشوهة التي تخدم التحالف القوي. هذا الاعتماد المفرط على الغدر التقني والمباغتة السيبرانية يعكس عقلية لا تؤمن بالحوار أو التنسيق بين المكونات الدولية، بل ترى في السيادة المطلقة للقوة هي القانون الوحيد السائد. إن استهداف الطواقم الطبية والإعلامية ليس إلا محاولة لتغييب الشاهد على الجريمة، وكسر إرادة الصمود لدى الشعوب عبر إشعارها بالعجز المطلق أمام جبروت الآلة التقنية.

إن ما يزيد من خطورة هذا المشهد هو بروز تيارات أيديولوجية متطرفة داخل مراكز القرار، ترى في التدمير الشامل وسيلة لتحقيق الأمن المطلق والسيادة الكاملة. هذه العقيدة التي ترفض أي حلول وسط أو تفاهمات سياسية، تجد في الحماية الدولية الممنوحة لها غطاءً لارتكاب أفظع الانتهاكات دون خوف من عواقب قانونية. إن الانسحاب الممنهج من المنظمات الدولية ومحاصرة القضاء الدولي بعقوبات سياسية ومالية يهدف إلى تجفيف منابع العدالة ومنع أي جهة من توثيق الجرائم أو ملاحقة مرتكبيها. هذا التمرد الصريح على المنظومة الدولية يضع العالم أمام فراغ قانوني مخيف، قد تملاه مستقبلاً تحالفات قائمة على المصالح القسرية والابتزاز المباشر، بعيداً عن أي قيم إنسانية أو مواثيق ملزمة.

أمام هذا الانسداد التاريخي، يصبح الحديث عن “إصلاح” المنظومة الدولية ضرباً من الخيال ما لم يقترن بتغيير جذري في موازين القوى على الأرض. إن استمرار سياسة “البلطجة الدولية” سيؤدي حتماً إلى انهيار المؤسسات القائمة، ودفع الدول المتضررة نحو بناء أنظمة موازية، سياسية وعسكرية وتقنية، قادرة على حماية سيادتها واستقلالها. إن العدالة التي لا تحمي المستضعفين هي عدالة منقوصة، والقانون الذي يُطبق بمزاجية القوى الكبرى هو أداة قمع وليس وسيلة تنظيم. لذا، فإن استعادة الاعتبار للشرعية الدولية تتطلب وقفة عالمية شجاعة ترفض “تصنيف البشر” وتتمسك بالمساواة أمام القانون الإنساني، بعيداً عن لغة التهديد والوعيد التي باتت لغة الدبلوماسية الرسمية لبعض القوى.

ختاماً، إن مستقبل الاستقرار العالمي، وتحديداً في لبنان، مرهون بالانتقال من حالة “الوساطة الارتهانية” إلى “التنسيق السيادي”. إن المشكلة اللبنانية ليست في غياب الحوار، بل في كون الوسطاء يحملون أجندات مسبقة تضع مصلحة الطرف المعتدي فوق كل اعتبار. لذا، فإن الحل في لبنان يتطلب أولاً تحصين المؤسسات الوطنية وتوحيد الرؤية حول مفهوم “السيادة الناجزة” التي لا تقبل المساومة على أمن المواطن أو تراب الوطن. يجب بناء جسور دبلوماسية مستقلة تتجاوز الهيمنة الأحادية، والعمل على استراتيجية وطنية شاملة تقوم على التفاهم بين كافة المكونات اللبنانية بعيداً عن الاستقواء بالخارج أو التحدي الداخلي. إن خلاص لبنان يبدأ من الداخل، عبر رفض تحويله إلى ورقة تفاوضية في صفقات القوى الكبرى، والتمسك بحق الدولة في ممارسة دورها الطبيعي ككيان مستقل ومستقر، مستنداً إلى قوة الحق لا حق القوة.

https://hura7.com/?p=75843

الأكثر قراءة