جريدة الحرة ـ بيروت
بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

تتسارع الأوضاع في شمال شرق سوريا بعد أن وجهت الإدارة الانتقالية في دمشق اتهامات لقوات سوريا الديمقراطية (قسد) بمحاولة الابتزاز السياسي. تزامنت هذه الاتهامات مع فرار عدد من معتقلي تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) من السجون في محافظة الحسكة الشمالية، وفقًا لتقارير متعددة، التي تشير إلى أعداد متفاوتة من الفارين، وذلك بعد اشتباكات مع الجيش السوري ورفض قسد تسليم السجون. وتقدّر المصادر العسكرية أن هذا الانفصال التام عن روابط داعش قد يشكل تهديدًا خطيرًا على الاستقرار في المنطقة، خاصة إذا لم يتم القبض على الفارين وإعادتهم إلى السجون التي باتت تحت سيطرة الجيش السوري. ويثير هذا الوضع العديد من الأسئلة حول المفاوضات الجارية بين الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي، والأسباب التي تقف وراء هذه التحركات.
حزب العمال الكردستاني وحيدًا يحاول الابتزاز
بدأت الحكاية بتصريحات من الحكومة السورية، التي اتهمت قوات سوريا الديمقراطية بالابتزاز السياسي على خلفية أزمة السجون. حيث أكدت دمشق أن ما يحدث في سجون داعش ليس إلا وسيلة للضغط السياسي على الحكومة السورية. وبحسب تصريحات لمسؤولين في دمشق، فإن الحكومة السورية ترفض أي محاولة لاستخدام ملف الإرهاب كورقة ضغط وتؤكد التزامها بضمان الأمن في مراكز الاحتجاز وفق المعايير الدولية.
وفي 19 يناير/كانون الثاني، أصدرت قوات سوريا الديمقراطية تحذيرًا بشأن فرار سجناء داعش من سجن الشدادي في محافظة الحسكة، حيث أفاد المتحدث باسم التحالف فرهاد شامي أن قسد فقدت السيطرة على السجن. وتُشير التقارير إلى أن جماعات موالية للجيش السوري قد أطلقت سراح السجناء للانضمام إلى الهجوم على القوات الكردية.
المفاوضات بين قسد ودمشق: مسارٌ معقدٌ بلا نتيجة
في 19 يناير/كانون الثاني، عقد الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي اجتماعًا في دمشق لمناقشة الوضع في شرق سوريا. كان الحوار يهدف إلى الوصول إلى اتفاق بشأن تشكيل حكومة انتقالية لإدارة المناطق التي كانت تحت سيطرة الأكراد لمدة تزيد عن عشرة أعوام.
لكن المفاوضات لم تؤدِ إلى أي نتائج، حيث عرض الشرع على عبدي منصب نائب وزير الدفاع وحق تعيين محافظين في بعض المناطق. إلا أن عبدي رفض هذا العرض، مطالبًا بتسليم محافظة الحسكة المتاخمة لتركيا. وردًا على ذلك، هدد الشرع بنشر قوات نظامية في الحسكة إذا لم تستسلم القوات الكردية.
حالة الاشتباك العسكري بين قسد والجيش السوري
في الوقت الذي استمر فيه التوتر بين قسد والجيش السوري، أكد العديد من المصادر الميدانية أن اشتباكات مسلحة كانت تدور في عدة مناطق بشمال شرق سوريا. وفي هذا السياق، أُعلنت التعبئة العامة من قبل قيادة قوات سوريا الديمقراطية، التي دعت جميع الأكراد إلى المقاومة. وأيد حزب العمال الكردستاني (PKK) جهود قسد في الدفاع عن مناطقها، مشددًا على أن أي هجوم على هذه المناطق سيؤدي إلى تقويض عملية السلام بين الحزب وتركيا.
التدخل التركي وتوسيع دائرة النزاع
يبدو أن تركيا انضمت إلى المساعي الرامية للسيطرة على مواقع قوات سوريا الديمقراطية. فقد أفادت التقارير بأن طائرات تركية مسيرة شنت غارات على الأطراف الجنوبية لمدينة الحسكة، بينما أكد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن بلاده ستواصل دعم الحكومة السورية في مواجهة هذه التوترات. أردوغان أشار إلى أن “مبدأ دولة واحدة، جيش واحد” هو أساس الاستقرار في سوريا، وأن تركيا لن تسمح بأي محاولات لزعزعة هذا المبدأ.
وعلى الرغم من هذا الدعم التركي للحكومة السورية، أكدت تقارير أن الجيش السوري قد تمكن من السيطرة على محافظتي الرقة ودير الزور دون إراقة دماء، في حملة عسكرية شملت بعض المناطق شمال سوريا. وفي تصريح له، قال أردوغان إن “الجيش السوري أنجز مهمته بنجاح، متجنبًا أي أعمال قد تؤدي إلى عواقب غير عادلة”.
الضغط الأمريكي وتحديات المفاوضات
أثناء التصعيد العسكري، أجرى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اتصالًا هاتفيًا مع الرئيس السوري أحمد الشرع، مطالبًا بوقف خطط السيطرة على الحسكة. في المقابل، كشف مصدر من صحيفة الشرق الأوسط أن قائد قسد مظلوم عبدي كان مترددًا في الدخول في المفاوضات مع دمشق بسبب الضغوط التي يتعرض لها من الفصائل الكردية الأخرى.
وإذا حاولنا النظر في تركيبة قسد، نرى أنها تعاني من توجهات داخلية مختلفة، مما يفقدها الرأي الموحد بشأن المفاوضات مع دمشق. حيث هناك فصيل داخل قسد يرغب في التوصل إلى اتفاق مع الحكومة السورية، بينما توجد قوى أخرى تفضل استمرار المقاومة المسلحة. ومن الواضح أن الضغوط الأمريكية على قسد للدخول في عملية تفاوض قد لا تؤتي ثمارها في ظل هذا الانقسام الداخلي.
قسد التي كانت تختبئ وراء تمسكها بأنها متنوعة من عرب وكرد وسريان، تبين أن الكرد والعرب والمكونات الأخرى قد تركوها، حيث بات حزب العمال الكردستاني في المواجهة للدفاع عن مصالحه الخاصة للوصول إلى تسوية تشرع بقائه وتواجه شرعيته في سوريا بعد كشف الغطاء عنه. مما بات يحاول العمل على ارتكاب مجازر لقلب المعارك من دولة تفرض سيطرتها على الأرض إلى مكونات إثنية تتقاتل وتعرض فيها الأكراد للابتزاز لكسب العطف الخارجي.
تحولات مستقبلية: هل سينجح الاتفاق بين قسد ودمشق؟
لابد من القول بأن قسد انتهت ولفظت أنفاسها الأخيرة، واليوم بات البحث الفعلي في المكون الكردي وحقوقه في سوريا القادمة مرهونًا بالكثير من العوامل الداخلية والخارجية، بما في ذلك المصالح الأمريكية والتركية. وإذا تم التوصل إلى اتفاق بين الطرفين، قد يؤدي ذلك إلى انهيار تام لوجود قوات سوريا الديمقراطية في المنطقة، في حال كان هناك تنازل حول الأراضي الواقعة تحت سيطرتها.
لكن في الوقت نفسه، يبدو أن قسد ودمشق على وشك اتخاذ قرارات جذرية قد تغير مسار الصراع السوري في شمال شرق البلاد بشكل كبير. وبينما يتواصل النزاع، يبقى الأمل في تسوية سياسية بعيدة المنال، في وقت يواجه فيه الجميع تحديات كبيرة في فرض السيادة واستقرار الأوضاع في هذه المناطق المتوترة.


