جريدة الحرة بيروت
بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

اكتسبت قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، التي استضافتها العاصمة التركية أنقرة يومي 7 و8 يوليو/تموز 2026، أهميةً استثنائية؛، ليس فقط لأنها جمعت قادة الدول الأعضاء الـ32، وإنما لأنها انعقدت في مرحلة تشهد تحولات عميقة في النظام الدولي، وتزايداً في التهديدات الأمنية، وتبايناً في الرؤى بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين بشأن مستقبل الأمن الجماعي وتقاسم الأعباء الدفاعية.
جاءت القمة في وقتٍ يواصل فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الضغط على الدول الأوروبية لزيادة إنفاقها الدفاعي،مطالباً إياها بتحمل مسؤولية أكبر في الدفاع عن القارة الأوروبية، بدلاً من استمرار الاعتماد بصورة شبه كاملة على القدرات العسكرية الأمريكية. ومن ثم، يمكن النظر إلى هذه القمة بوصفها محطة مفصلية لإعادة صياغة العلاقة بين الولايات المتحدة وحلفائها داخل الناتو، وإرسال رسائل سياسية وعسكرية واضحة إلى الخصوم والحلفاء على حد سواء.
أولاً: إعادة بناء مفهوم الأمن الأوروبي
أبرز ما حملته القمة هو التأكيد على أن أوروبا مطالبة ببناء قدرات دفاعية أكثر استقلالية، مع استمرار المظلة الأمنية الأمريكية، ولكن بصيغة مختلفة عما كانت عليه خلال العقود الماضية. ويعكس ذلك توجهاً أمريكياً نحو إعادة توزيع الأعباء العسكرية داخل الحلف، بحيث تصبح الدول الأوروبية أكثر قدرة على حماية أمنها الإقليمي من خلال رفع الإنفاق الدفاعي، وتعزيز الصناعات العسكرية، وزيادة جاهزية القوات المشتركة.
ثانياً: الحرب الأوكرانية… رسالة مباشرة إلى روسيا
شكلت الحرب في أوكرانيا المحور الأكثر حضوراً في اجتماعات القمة، حيث أكد الحلف استمرار دعمه لكييف عسكرياً وسياسياً، مع الإعلان عن حزم جديدة من المساعدات الدفاعية، وتكثيف التعاون في مجالات التسليح والتدريب. وتحمل هذه القرارات رسالة واضحة إلى روسيا مفادها أن دول الناتو لا تعتزم التراجع عن دعم أوكرانيا، وأنها مستعدة للاستمرار في تعزيز قدراتها الدفاعية طالما استمرت الحرب. كما تعكس هذه المواقف قناعة متزايدة لدى عدد من العواصم الغربية بأن إنهاء الحرب يتطلب امتلاك أوكرانيا قدرة أكبر على الصمود، والتفاوض من موقع قوة.
ثالثاً: تركيا… المستفيد الأكبر من القمة
لا يمكن فصل استضافة تركيا لهذه القمة عن التحولات التي تشهدها مكانتها داخل الحلف. فأنقرة تمتلك ثاني أكبر جيش في الناتو، إلى جانب التطور الكبير الذي شهدته صناعاتها الدفاعية خلال السنوات الأخيرة، الأمر الذي جعلها شريكاً أساسياً في أي ترتيبات أمنية مستقبلية تخص أوروبا والشرق الأوسط والبحر الأسود.
وتكمن أهمية القمة بالنسبة لأنقرة في أن استضافة تركيا لقمة حلف شمال الأطلسي تمثل أكثر من مجرد حدث دبلوماسي، فهي تعكس تحولاً في نظرة الحلف إلى الدور التركي في ظل المتغيرات الأمنية التي تشهدها أوروبا والشرق الأوسط. فالموقع الجغرافي لتركيا، وقدراتها العسكرية، وصناعاتها الدفاعية المتطورة، جعلتها شريكاً لا يمكن تجاوزه في أي استراتيجية غربية لإعادة بناء منظومة الأمن الإقليمي.
وتبرز أهمية القمة بالنسبة لتركيا في عدة جوانب رئيسية:
1-تأكيد موقعها كدولة محورية داخل الحلف
شكلت استضافة القمة اعترافاً سياسياً واستراتيجياً بالأهمية المتزايدة لتركيا داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو). فهي تمتلك ثاني أكبر جيش في الحلف بعد الولايات المتحدة، وتتمتع بموقع جغرافي بالغ الحساسية يربط بين أوروبا والشرق الأوسط والبحر الأسود والقوقاز، كما تتحكم بالمضائق البحرية التي تمثل شرياناً استراتيجياً للتجارة والأمن الأوروبيين.
ومن ثم، فإن أي تصور جديد للدفاع الجماعي داخل الحلف لا يمكن أن يتجاهل الدور التركي، سواء من الناحية العسكرية أو الجيوسياسية.
2-تعزيز التعاون العسكري والتقني مع الدول الأوروبية
أتاحت القمة فرصة لتعميق الشراكة العسكرية بين تركيا والدول الأوروبية، سواء من خلال توسيع برامج التدريب المشترك، أو تبادل الخبرات في مجالات الدفاع الجوي، والحرب الإلكترونية، والطائرات المسيّرة، وأنظمة القيادة والسيطرة. كما تعكس هذه الخطوة إدراكاً أوروبياً متزايداً بأن تعزيز الأمن القاري يتطلب شراكة أوثق مع أنقرة، في ظل تنامي التهديدات على الجبهتين الشرقية والجنوبية للحلف.
3- توسيع فرص التصنيع العسكري المشترك
شهدت الصناعات الدفاعية التركية خلال العقد الأخير تطوراً ملحوظاً، ما جعلها من بين الصناعات الدفاعية الأكثر نمواً في العالم. ومن هنا، تفتح القمة الباب أمام توسيع برامج الإنتاج المشترك مع الشركات الأوروبية في مجالات الطائرات المسيّرة، والذخائر الذكية، والمدرعات، والسفن الحربية، وأنظمة الدفاع الجوي. ولا يقتصر هذا التعاون على الجانب العسكري فقط، بل يمتد إلى نقل التكنولوجيا، وتبادل الخبرات، وفتح أسواق جديدة للصناعات الدفاعية التركية داخل أوروبا.
4- إعادة تنشيط ملفات التعاون الدفاعي
وفرت القمة فرصة لإعادة فتح عدد من الملفات الدفاعية التي شهدت جموداً خلال السنوات الماضية، وفي مقدمتها مستقبل التعاون في برامج التسليح الغربية، ومن بينها النقاشات المتعلقة بإمكانية استئناف التعاون في برنامج مقاتلات “إف-35″، إلى جانب بحث آفاق تحديث أسطول الطائرات المقاتلة التركية، وتوسيع مجالات التعاون في الصناعات الجوية والفضائية. كما تسعى أنقرة إلى استثمار المناخ السياسي الجديد لتخفيف القيود المفروضة على بعض صادرات التكنولوجيا الدفاعية إليها.
5- تكريس دور تركيا كحلقة وصل بين أوروبا والشرق الأوسط
في ظل تصاعد الأزمات في الشرق الأوسط، والحرب في أوكرانيا، والتنافس الدولي في البحر الأسود وشرق المتوسط، تبدو تركيا مؤهلة للقيام بدور الوسيط والشريك الأمني في آن واحد. فهي تجمع بين عضويتها في الناتو، وعلاقاتها السياسية والاقتصادية مع عدد من دول المنطقة، الأمر الذي يمنحها قدرة على المساهمة في إدارة الأزمات، وتأمين خطوط الطاقة والتجارة، والمشاركة في جهود مكافحة الإرهاب والهجرة غير النظامية، بما يعزز مكانتها بوصفها جسراً استراتيجياً بين أوروبا ومحيطها الإقليمي.
نحو دور إقليمي أوسع
وانطلاقاً من هذه المعطيات، تبدو أنقرة مرشحة للاضطلاع بدور أكبر في منظومة الأمن الإقليمي خلال السنوات المقبلة. فمع توجه الولايات المتحدة إلى مطالبة الحلفاء الأوروبيين بتحمل مسؤوليات دفاعية أكبر، تزداد الحاجة إلى شريك إقليمي يمتلك القدرات العسكرية، والبنية الصناعية الدفاعية، والموقع الجغرافي الذي يؤهله للمساهمة في حفظ التوازنات الأمنية.
وفي هذا السياق، يمكن أن تصبح تركيا أحد الأعمدة الرئيسية في الاستراتيجية الغربية الجديدة، سواء من خلال حماية الجناح الجنوبي الشرقي لحلف الناتو، أو إدارة الملفات المرتبطة بالشرق الأوسط والبحر الأسود، أو دعم مشاريع الصناعات الدفاعية المشتركة بين أوروبا والحلف.
أبرز الملفات التي تناولتها قمة أنقرة
ركزت القمة على مجموعة من الملفات الاستراتيجية التي تعكس طبيعة التحديات الأمنية التي تواجه حلف شمال الأطلسي في المرحلة الراهنة، كما ترسم ملامح أولوياته خلال السنوات المقبلة. ومن أبرز هذه الملفات:
1- استمرار الدعم العسكري والمالي لأوكرانيا
احتلت الحرب الروسية الأوكرانية صدارة جدول أعمال القمة، حيث أكد قادة الحلف التزامهم بمواصلة تقديم الدعم العسكري والمالي والسياسي لأوكرانيا، بما يضمن قدرتها على الصمود في مواجهة العمليات العسكرية الروسية. كما ناقش المجتمعون آليات تسريع إيصال أنظمة الدفاع الجوي، والذخائر، والأسلحة المتطورة، إضافة إلى تعزيز برامج التدريب والدعم اللوجستي، في إطار استراتيجية تهدف إلى الحفاظ على توازن القوى ومنع روسيا من تحقيق مكاسب استراتيجية على الأرض.
2-رفع الإنفاق الدفاعي للدول الأعضاء
كان ملف الإنفاق الدفاعي أحد أكثر القضايا إثارة للنقاش، خاصة في ظل الضغوط الأمريكية المستمرة على الدول الأوروبية لزيادة موازناتها العسكرية. وتعكس هذه التوجهات رغبة الحلف في تحقيق توزيع أكثر عدالة للأعباء الدفاعية، بحيث تتحمل الدول الأوروبية مسؤولية أكبر في تمويل جيوشها وتحديث معداتها العسكرية، بما يخفف العبء عن الولايات المتحدة، ويعزز قدرة أوروبا على الدفاع عن أمنها بصورة أكثر استقلالية.
3-تعزيز الصناعات العسكرية الأوروبية
أكدت القمة أن تحقيق الأمن الجماعي لا يعتمد فقط على حجم القوات العسكرية، وإنما يعتمد أيضاً على امتلاك قاعدة صناعية دفاعية قوية قادرة على تلبية الاحتياجات المتزايدة للحلف. ولهذا، برزت الدعوات إلى توسيع الاستثمارات في الصناعات الدفاعية، وزيادة الإنتاج العسكري، وتعزيز التعاون بين الشركات الأوروبية والتركية والأمريكية، بما يضمن استدامة الإمدادات العسكرية، وتقليل الاعتماد على الموردين الخارجيين، خاصة في ظل استمرار الحرب في أوكرانيا.
4-تطوير منظومة الدفاع الجوي والصاروخي المشتركة
في ضوء تصاعد المخاطر المرتبطة بالصواريخ والطائرات المسيّرة، ركزت القمة على ضرورة تطوير شبكة دفاع جوي وصاروخي أكثر تكاملاً بين الدول الأعضاء، تعتمد على تبادل المعلومات الاستخباراتية، وأنظمة الإنذار المبكر، والقدرات التقنية المشتركة. ويهدف هذا التوجه إلى رفع مستوى الحماية للدول الأعضاء، وتعزيز قدرة الحلف على التصدي للتهديدات التقليدية وغير التقليدية، سواء القادمة من الجبهة الشرقية أو من مناطق التوتر الأخرى.
5-رفع الجاهزية العملياتية لقوات الحلف
ناقش القادة سبل تعزيز جاهزية قوات الناتو من خلال زيادة أعداد القوات القابلة للانتشار السريع، وتكثيف المناورات العسكرية المشتركة، وتطوير أنظمة القيادة والسيطرة، وتحسين القدرة على الاستجابة الفورية لأي تهديدات طارئة. ويعكس هذا التوجه إدراكاً متزايداً بأن البيئة الأمنية الحالية تتطلب قوات أكثر مرونة وسرعة في الحركة، وقدرة أعلى على العمل المشترك في مختلف مسارح العمليات.
وتشير هذه الأولويات مجتمعة إلى أن الحلف لم يعد يكتفي بإدارة الأزمات القائمة، بل يعمل على إعادة هيكلة منظومته الدفاعية بما يتلاءم مع طبيعة التحديات الجديدة، سواء المرتبطة بالحرب في أوكرانيا، أو بالتنافس بين القوى الكبرى، أو بالتهديدات الناشئة في مجالات الفضاء السيبراني والتكنولوجيا العسكرية المتقدمة.
رابعاً: هل يتجه الغرب إلى منح تركيا دوراً إقليمياً أوسع؟
يرى عدد من المحللين أن استضافة تركيا لقمة الناتو، وما رافقها من لقاءات سياسية وأمنية، قد تعكس توجهاً غربياً نحو منح أنقرة دوراً أكبر في إدارة ملفات المنطقة، ولا سيما في سوريا والعراق وأمن شرق المتوسط.
وفي هذا الإطار، يربط بعض المراقبين بين الحضور السياسي الذي شهدته القمة لبعض الشخصيات الإقليمية وبين محاولات بناء تفاهمات جديدة حول مستقبل المنطقة. إلا أن مدى تحول هذه المؤشرات إلى سياسات عملية سيظل مرتبطاً بالتطورات الميدانية، وبمدى قدرة القوى الدولية والإقليمية المعنية على الوصول إلى تفاهمات مشتركة.
خامساً: لماذا يضغط ترامب على الأوروبيين؟
يطرح هذا السؤال نفسه بقوة، خاصة أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لا يخفي انتقاداته المتكررة للدول الأوروبية بسبب انخفاض مساهمتها في الإنفاق الدفاعي مقارنة بالولايات المتحدة. ويبدو أن الهدف الأمريكي يتجاوز مجرد زيادة مساهمات الحلفاء المالية، إذ تسعى واشنطن إلى إعادة توزيع مواردها العسكرية والاستراتيجية استعداداً لمنافسة طويلة الأمد مع الصين، التي باتت تُعد التحدي الاستراتيجي الأكبر للسياسة الأمريكية خلال العقود المقبلة.
ومن هذا المنطلق، تريد الإدارة الأمريكية أن تصبح أوروبا أكثر قدرة على تحمل مسؤولياتها الأمنية في مواجهة التهديدات الروسية، بما يسمح لواشنطن بإعادة توجيه جزء أكبر من قدراتها العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية والاستخباراتية نحو منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
سادساً: إعادة توزيع الأولويات الاستراتيجية للولايات المتحدة
ربما كانت الرسالة الأهم التي عكستها القمة هي أن الولايات المتحدة تعمل على إعادة ترتيب أولوياتها الاستراتيجية على المستوى العالمي. فبينما يبقى الأمن الأوروبي جزءاً أساسياً من السياسة الأمريكية، فإن واشنطن تنظر إلى المنافسة مع الصين باعتبارها التحدي الاستراتيجي الأكبر خلال العقود المقبلة. ومن هنا، تسعى الإدارة الأمريكية إلى تمكين الحلفاء الأوروبيين من إدارة جانب أكبر من أمنهم الإقليمي، بما يسمح للولايات المتحدة بإعادة توجيه قدراتها العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية نحو منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
سابعاً: إعادة رسم ملامح النظام الأمني الدولي
تكشف القمة عن بداية مرحلة جديدة في بنية النظام الأمني الغربي، تقوم على توزيع أكثر توازناً للأدوار داخل الحلف، مع منح الدول الإقليمية المؤثرة، وفي مقدمتها تركيا، مساحة أوسع للمساهمة في إدارة الأزمات الإقليمية، وحماية الممرات الاستراتيجية، ودعم الأمن الأوروبي. وفي الوقت ذاته، تؤكد القمة أن الناتو لا يكتفي بردود الفعل تجاه الأزمات، بل يسعى إلى بناء استراتيجية طويلة المدى لمواجهة التحديات التي تفرضها المنافسة بين القوى الكبرى، وتزايد النزاعات الإقليمية، والتطور المتسارع في مجالات التكنولوجيا العسكرية.
رسائل قمة الناتو في أنقرة
لم تقتصر مخرجات قمة الناتو على القرارات السياسية والعسكرية، بل حملت في طياتها مجموعة من الرسائل الاستراتيجية التي استهدفت أطرافاً دولية وإقليمية متعددة، وفي مقدمتها روسيا والصين، كما وجهت رسائل إلى الدول الأوروبية وشركاء الحلف في الشرق الأوسط. ويمكن تلخيص أبرز الرسائل الاستراتيجية التي حملتها القمة ووجهتها إلى مختلف الأطراف الدولية والإقليمية على النحو الآتي:
1- التأكيد على وحدة حلف الناتو
على الرغم من وجود تباينات بين الدول الأعضاء بشأن حجم الإنفاق الدفاعي، وطبيعة العلاقة مع روسيا، ومستقبل الدعم لأوكرانيا، فإن القمة سعت إلى إظهار الحلف بوصفه جبهة موحدة قادرة على تجاوز خلافاته الداخلية. وأكد القادة أن الناتو ما زال يمثل الركيزة الأساسية للأمن الجماعي في أوروبا، وأن أي اختلافات بين أعضائه لا تمس التزامهم بمبدأ الدفاع المشترك المنصوص عليه في المادة الخامسة من معاهدة الحلف.
2- رسالة ردع واضحة إلى روسيا
جددت القمة التزامها بمواصلة دعم أوكرانيا عسكرياً وسياسياً واقتصادياً، في رسالة تؤكد أن الحلف لن يسمح لموسكو بفرض وقائع جديدة بالقوة العسكرية. كما تعكس القرارات المتعلقة بزيادة المساعدات العسكرية، وتطوير أنظمة الدفاع الجوي، وتعزيز القدرات الصناعية الدفاعية، قناعة غربية بأن استمرار الضغط على روسيا يمثل جزءاً من استراتيجية الردع طويلة الأمد، وأن أي تسوية مستقبلية ينبغي أن تستند إلى موازين قوة تضمن أمن أوروبا واستقرارها.
3-أوروبا مطالبة بتحمل مسؤولية أمنها
من أبرز الرسائل التي خرجت بها القمة أن مرحلة الاعتماد شبه الكامل على الولايات المتحدة في حماية القارة الأوروبية تقترب من نهايتها. فواشنطن، ولا سيما في ظل توجهات إدارة الرئيس دونالد ترامب، تدفع باتجاه أن تتحمل الدول الأوروبية مسؤولية أكبر في تمويل جيوشها، وتطوير صناعاتها الدفاعية، وتعزيز جاهزيتها العسكرية. ويعكس هذا التوجه تحولاً في مفهوم الشراكة داخل الحلف، يقوم على توزيع أكثر توازناً للأعباء والمسؤوليات.
4- تركيا شريك لا غنى عنه
حملت القمة رسالة واضحة مفادها أن تركيا أصبحت أحد الأعمدة الأساسية في البنية الأمنية للحلف، نظراً لموقعها الجغرافي الاستراتيجي، وقوتها العسكرية، وتطور صناعاتها الدفاعية. كما أن استضافتها للقمة تعكس رغبة الحلف في تعزيز التنسيق مع أنقرة، وإعادة بناء الثقة معها بعد سنوات شهدت تباينات في بعض الملفات، بما يفتح الباب أمام تعاون أوسع في مجالات الأمن والدفاع والتكنولوجيا العسكرية.
5- تسريع التعاون في الصناعات الدفاعية
أكدت القمة أن التحديات الأمنية الحالية تتطلب رفع القدرات الإنتاجية للصناعات العسكرية، وتقليل الاعتماد على الموردين الخارجيين، وتعزيز مشاريع التصنيع المشترك بين الدول الأعضاء. ويهدف هذا التوجه إلى ضمان استدامة الإمدادات العسكرية، وتسريع إنتاج الذخائر وأنظمة الدفاع الجوي والتقنيات المتقدمة، بما يعزز قدرة الحلف على مواجهة الأزمات الممتدة.
الخاتمة
في النهاية، تُعد قمة أنقرة الأخيرة من أكثر القمم أهمية وحساسية في سياق التحولات التي تشهدها السياسات الدولية الجديدة، إذ إنها لا تقتصر على مناقشة ملفات أمنية تقليدية، بل تتجاوز ذلك إلى إعادة رسم ملامح الصراع ضمن الخريطة الجيوسياسية للمنطقة، وتحديد طبيعة التوازنات الجديدة بين القوى الكبرى والإقليمية.
فقد وضعت الولايات المتحدة خلال اجتماعات القمة تصوراتها وشروطها المتعلقة بمستقبل الأمن الإقليمي والدولي أمام المجتمعين، في إطار رؤية تهدف إلى إعادة تنظيم موازين القوى، وتعزيز النفوذ على الممرات البحرية الاستراتيجية، ومصادر الطاقة، والثروات الطبيعية، ومخزونات باطن الأرض. ويأتي ذلك في ظل تحول طبيعة الصراعات القادمة، حيث لم تعد المنافسة تقتصر على الجانب العسكري فقط، بل أصبحت تقوم بصورة متزايدة على التنافس الاقتصادي، والتحكم بسلاسل الإمداد، وتأمين الموارد الحيوية، وتعزيز النفوذ والقدرات على الساحة الدولية.
ومن هنا، تسعى واشنطن إلى إعادة تنظيم الأدوار بين الحلفاء، وتحديد مسؤوليات كل طرف، ورسم حدود النفوذ والمناطق التي ستتولى كل قوة مسؤولية التعامل معها. وتعكس القمة توجهاً أمريكياً نحو إعادة توزيع الأعباء والمهام داخل منظومة التحالفات، بما يضمن تركيز واشنطن على أولوياتها الاستراتيجية الكبرى، وفي مقدمتها التنافس مع القوى الكبرى، في الوقت الذي تدفع فيه حلفاءها وشركاءها إلى تحمل أدوار أكبر في مناطق نفوذهم الجغرافية، والمساهمة بصورة أكبر في إدارة الملفات الأمنية والسياسية المرتبطة بمناطقهم.
ويبقى السؤال مفتوحاً أمام الجميع: هل سيتمكن الرئيس ترامب، من خلال الاعتماد على تركيا ومنحها دوراً أكبر في المرحلة المقبلة، وبالتنسيق مع الدول الأوروبية، من تحقيق أهدافه في إعادة ترتيب موازين الأمن، ومعالجة الملفات العالقة في أوروبا والشرق الأوسط؟
فنجاح هذا التوجه سيعتمد على مدى قدرة الولايات المتحدة وحلفائها على بناء تفاهمات مشتركة، وتحقيق توازن بين المصالح المختلفة، خاصة في ظل تعقيد المشهد الإقليمي والدولي، وتداخل ملفات الأمن والطاقة والنفوذ السياسي. كما سيبقى الدور التركي مرتبطاً بقدرة أنقرة على الموازنة بين التزاماتها داخل حلف الناتو وعلاقاتها الإقليمية والدولية، بما يجعل المرحلة المقبلة اختباراً حقيقياً لطبيعة التحالفات الجديدة التي تسعى واشنطن إلى تشكيلها.


