جريدة الحرة بيروت
بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

تكتسب قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، التي استضافتها العاصمة التركية أنقرة، أهمية استثنائية في ظل التحولات العميقة التي يشهدها النظام الدولي، فهي لم تكن مجرد اجتماع دوري لقادة الدول الأعضاء الـ32، بل شكلت محطة استراتيجية لإعادة تقييم مستقبل الأمن الأوروبي، وطبيعة العلاقة بين الولايات المتحدة وحلفائها، وحدود الأدوار التي ستتولاها القوى المختلفة داخل منظومة التحالف.
انعقدت القمة في مرحلة تتزايد فيها التهديدات الأمنية، وتتسع فيها المنافسة بين القوى الكبرى، مع استمرار الحرب الروسية الأوكرانية، وتصاعد التحديات المرتبطة بالطاقة والممرات البحرية والتكنولوجيا العسكرية. كما جاءت في ظل ضغوط أمريكية يقودها الرئيس دونالد ترامب على الدول الأوروبية لزيادة إنفاقها الدفاعي وتحمل مسؤوليات أكبر في حماية القارة، بدلاً من استمرار الاعتماد بصورة شبه كاملة على القدرات العسكرية الأمريكية.
ومن هذا المنطلق، حملت القمة رسالة واضحة بشأن إعادة توزيع الأدوار داخل الناتو، بحيث تبقى الولايات المتحدة القوة القيادية للحلف، مع دفع الدول الأوروبية إلى بناء قدرات دفاعية أكثر استقلالية، بما يسمح لواشنطن بإعادة ترتيب أولوياتها الاستراتيجية في مواجهة المنافسين العالميين، وعلى رأسهم الصين.
إعادة بناء مفهوم الأمن الأوروبي
أحد أبرز الملفات التي برزت خلال القمة هو مستقبل الأمن الأوروبي، حيث بات واضحاً أن الحلف يتجه نحو نموذج جديد يقوم على تقاسم أكبر للأعباء والمسؤوليات. فالدول الأوروبية مطالبة برفع الإنفاق الدفاعي، وتطوير صناعاتها العسكرية، وزيادة جاهزية قواتها، بما يمنحها قدرة أكبر على التعامل مع التحديات الأمنية القريبة من محيطها.
ولا يعني هذا التحول انتهاء الدور الأمريكي في أوروبا، بل إعادة صياغته بصورة مختلفة، بحيث تستمر المظلة الأمنية الأمريكية، مع منح الحلفاء الأوروبيين دوراً أكبر في إدارة الملفات الدفاعية المرتبطة بالقارة.
كما ركزت القمة على تطوير القدرات العسكرية المشتركة، وتعزيز أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي، ورفع مستوى الجاهزية العملياتية للقوات، بما يتناسب مع طبيعة التهديدات الحديثة، خاصة في ظل تزايد أهمية الطائرات المسيّرة، والحرب الإلكترونية، والتكنولوجيا العسكرية المتقدمة.
الحرب الأوكرانية… رسالة ردع إلى روسيا
احتلت الحرب الروسية الأوكرانية موقعاً مركزياً في أعمال القمة، حيث أكد قادة الناتو استمرار دعم أوكرانيا عسكرياً وسياسياً ومالياً، مع التركيز على تعزيز قدرتها على الصمود في مواجهة العمليات العسكرية الروسية.
وشملت النقاشات تسريع إيصال أنظمة الدفاع الجوي والذخائر والأسلحة المتطورة، إلى جانب تعزيز برامج التدريب والدعم اللوجستي. وتحمل هذه القرارات رسالة مباشرة إلى موسكو مفادها أن الحلف لا ينوي التراجع عن دعم كييف، وأن أي تسوية مستقبلية يجب أن تقوم على موازين قوة تضمن أمن أوروبا واستقرارها.
وفي الوقت ذاته، تعكس هذه السياسة قناعة غربية بأن امتلاك أوكرانيا قدرة أكبر على الصمود يمنحها موقعاً أقوى في أي مفاوضات مستقبلية، ويمنع تغيير الخريطة الأمنية الأوروبية بالقوة العسكرية.
تركيا… المستفيد الأكبر من التحولات الجديدة
برزت تركيا باعتبارها أحد أهم المستفيدين من قمة أنقرة، ليس فقط بسبب استضافتها للقمة، وإنما بسبب موقعها المتزايد داخل الحسابات الأمنية للحلف. فتركيا تمتلك ثاني أكبر جيش في الناتو بعد الولايات المتحدة، وتتمتع بموقع جغرافي استراتيجي يربط أوروبا بالشرق الأوسط والبحر الأسود والقوقاز، كما تتحكم بالمضائق البحرية ذات الأهمية الكبرى للأمن والتجارة الدوليين.
وتعكس القمة تحولاً في نظرة الحلف إلى الدور التركي، حيث أصبحت أنقرة شريكاً أساسياً في أي استراتيجية غربية تتعلق بالأمن الإقليمي. فموقعها الجغرافي وقدراتها العسكرية وتطور صناعاتها الدفاعية جعلتها طرفاً رئيسياً في ملفات متعددة، من أمن البحر الأسود إلى قضايا الشرق الأوسط والطاقة والممرات البحرية.
كما فتحت القمة المجال أمام توسيع التعاون العسكري والتقني بين تركيا والدول الأوروبية، خاصة في مجالات الدفاع الجوي، والطائرات المسيّرة، والحرب الإلكترونية، وأنظمة القيادة والسيطرة. إضافة إلى تعزيز فرص التصنيع العسكري المشترك، وتوسيع التعاون في مجالات الذخائر الذكية والمدرعات والسفن الحربية والتكنولوجيا الدفاعية.
أبرز ملفات القمة ورسائلها الاستراتيجية
ركزت القمة على عدد من الملفات التي تعكس طبيعة التحديات التي يواجهها الناتو خلال المرحلة المقبلة، وفي مقدمتها رفع الإنفاق الدفاعي للدول الأعضاء، وتعزيز الصناعات العسكرية، وتقليل الاعتماد على الموردين الخارجيين، وتطوير منظومات الدفاع الجوي والصاروخي، ورفع جاهزية قوات الحلف.
كما حملت القمة مجموعة من الرسائل السياسية والعسكرية، أبرزها التأكيد على وحدة الناتو رغم وجود تباينات داخلية بين أعضائه، وتوجيه رسالة ردع واضحة إلى روسيا، والتأكيد على أن أوروبا مطالبة بتحمل مسؤولية أكبر عن أمنها.
وفي الوقت نفسه، أكدت القمة أن تركيا أصبحت أحد الأعمدة الأساسية في البنية الأمنية للحلف، وأن التعاون معها سيكون جزءاً مهماً من أي ترتيبات مستقبلية تتعلق بالأمن الأوروبي والإقليمي.
إعادة ترتيب الأولويات الأمريكية والنظام الأمني الدولي
تكشف مخرجات القمة عن توجه أمريكي لإعادة ترتيب الأولويات الاستراتيجية على المستوى العالمي. فبينما يبقى الأمن الأوروبي جزءاً أساسياً من السياسة الأمريكية، فإن واشنطن تنظر إلى المنافسة مع الصين باعتبارها التحدي الأكبر خلال العقود المقبلة. ولهذا تسعى الولايات المتحدة إلى تمكين حلفائها الأوروبيين من تحمل مسؤوليات أكبر، بما يسمح لها بإعادة توجيه جزء من قدراتها العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية نحو منطقة المحيطين الهندي والهادئ. وتشير هذه التحولات إلى بداية مرحلة جديدة في النظام الأمني الغربي، تقوم على توزيع أكثر توازناً للأدوار، مع منح القوى الإقليمية المؤثرة، وفي مقدمتها تركيا، مساحة أكبر للمساهمة في إدارة الأزمات وحماية المصالح الاستراتيجية.
إذًا ،لا تمثل قمة أنقرة مجرد اجتماع لقادة الناتو، بل تعكس بداية مرحلة جديدة في التفكير الاستراتيجي الغربي، تقوم على إعادة توزيع المسؤوليات داخل الحلف، وتعزيز القدرات الدفاعية الأوروبية، مع الحفاظ على القيادة الأمريكية للتحالف. وفي الوقت نفسه، تمنح هذه التحولات تركيا فرصة لتعزيز مكانتها السياسية والعسكرية، وترسيخ دورها لاعباً رئيسياً في معادلات الأمن الإقليمي والدولي.
ويبقى السؤال مفتوحاً: هل سيتمكن الرئيس دونالد ترامب، من خلال الاعتماد على تركيا وتعزيز التنسيق مع أوروبا، من بناء منظومة أمنية جديدة قادرة على معالجة الملفات العالقة في أوروبا والشرق الأوسط؟ ستبقى الإجابة مرتبطة بقدرة الولايات المتحدة وحلفائها على تحقيق توازن بين المصالح المختلفة، والحفاظ على تماسك التحالفات في ظل بيئة دولية تشهد منافسة متزايدة وتغيرات عميقة.


