الأكثر قراءة

قمة إماراتية ألمانية في برلين: رؤى مشتركة ترسم آفاقاً أوسع للتنمية المستدامة والشراكة

جريدة الحرة بيروت

تشهد العاصمة الألمانية برلين محطة دبلوماسية واستراتيجية بالغة الأهمية، تمثلت في المباحثات الموسعة التي عقدها الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، والرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير. وقد بحث الجانبان خلال هذا اللقاء مختلف مسارات التعاون وسبل تنميتها في جميع المجالات، وخاصة الاقتصادية والتنموية، بما يخدم المصالح المتبادلة للبلدين ويسهم في تعزيز الشراكة الإستراتيجية بين دولة الإمارات وألمانيا. وقد جاء ذلك خلال الاجتماع الذي جمع الجانبين في “فيلا بورزيغ” التاريخية في إطار زيارة الدولة التي يقوم بها رئيس الدولة إلى ألمانيا، وهي زيارة تعكس عمق ومتانة العلاقات الثنائية القائمة على رؤى مشتركة ومصالح استراتيجية متبادلة، وتفتح آفاقاً أوسع للتنسيق حيال القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.

وقد استهلت زيارة الدولة بمراسم استقبال رسمية رفيعة المستوى، تجسد المكانة الكبرى التي توليها برلين للعلاقات مع دولة الإمارات، بوصفها شريكاً محورياً واستراتيجياً في منطقة الشرق الأوسط. وفي هذا السياق، أكد رئيس الدولة أن دولة الإمارات وألمانيا تجمعهما علاقات تعاون والصداقة تاريخية تعود إلى ما قبل تأسيس الدولة، مشيراً إلى أن هذه العلاقات مرت على مدى أكثر من خمسة عقود بمحطات رئيسية وصولاً إلى الشراكة الإستراتيجية بين البلدين، وذلك في ظل رؤية مشتركة لمواصلة تعزيز تعاونهما بما يخدم المصالح المتبادلة ويعود بالنماء والازدهار على شعبيهما. كما أشاد بدور الرئيس الألماني في تطوير العلاقات بين البلدين، مثمناً في الوقت ذاته دور الجالية الألمانية في دولة الإمارات التي أسهمت في بناء جسور التواصل والتقارب بين مجتمعي البلدين، بجانب أهمية دور الشركات الألمانية التي عززت الروابط الاقتصادية على مدار السنين.

ملفات الاقتصاد والطاقة تتصدر أجندة المباحثات الثنائية

على الصعيد الاقتصادي والتجاري، تمثل المحادثات الجارية امتداداً لشراكة استراتيجية راسخة؛ إذ تُعد الإمارات الشريك التجاري الأبرز لألمانيا في منطقة الخليج العربي، وتجمع البلدين مصالح اقتصادية ضخمة تترجمها آلاف الشركات الألمانية العاملة في السوق الإماراتية، والتي تتخذ منها قاعدة لانطلاق أعمالها نحو الأسواق الإقليمية والعالمية. ويسلط هذا اللقاء الضوء على فرص التوسع في مجالات التجارة البينية، وتيسير الاستثمارات المتبادلة، وتحفيز قطاعات الأعمال الخاصة لابتكار مشاريع مشتركة تستشرف مستقبل الاقتصاد العالمي القائم على المعرفة والتنوع، وتفتح الباب أمام قطاعات الأعمال في كلا البلدين لاستكشاف فرص جديدة غير مسبوقة في الأسواق الناشئة.

ولا يمكن فصل ملف الطاقة عن صدارة المباحثات، بالنظر إلى الدور الحيوي الذي يلعبه الطرفان في معادلة أمن الطاقة العالمي ومسار التحول الأخضر. فالتعاون القائم بين المؤسسات الإماراتية ونظيراتها الألمانية في قطاعات الطاقة المتجددة، والتقنيات النظيفة، والهيدروجين الأخضر، يشكل ركيزة أساسية للأمن البيئي والاقتصادي المستقبلي. ومن المترقب أن تضع المباحثات الحالية اللبنات الأساسية لتوسيع نطاق هذه الشراكة الطاقوية، لتشمل مشاريع استراتيجية كبرى تسهم في دعم خطط الحياد المناخي وتطوير حلول تكنولوجية مستدامة تضمن استقرار الأسواق وتلبي متطلبات التحول المسؤول نحو طاقة المستقبل.

ما هي أبرز ملامح التعاون التكنولوجي والسياسي بين البلدين؟

إلى جانب المسار الاقتصادي والطاقوي، تحتل الابتكارات التكنولوجية والذكاء الاصطناعي والتنمية المستدامة مساحة بارزة على طاولة النقاش. فالجانبان يشتركان في توجه استراتيجي نحو بناء اقتصادات مرنة قائمة على الابتكار، وتعزيز التعاون الأكاديمي والبحثي، وتبادل الخبرات في مجالات الرقمنة والصناعات المتقدمة. وتأتي هذه المحادثات لترسخ فهماً مشتركاً بأن مواجهة التحديات المستقبلية تتطلب تكامل الجهود وتوحيد الرؤى في قطاعات البحث والتطوير، والاستثمار الأمثل في العقول والتقنيات الحديثة التي تقود الثورة الصناعية الرابعة وتعزز من قدرة الجانبين على مواكبة المتغيرات العالمية المتسارعة.

على الجانب السياسي، استعرض رئيس الدولة والرئيس الألماني أبرز القضايا والتطورات الإقليمية والدولية الراهنة، وفي مقدمتها الجهود المبذولة لدفع مسار السلام الشامل والدائم في منطقة الشرق الأوسط كونه السبيل لتعزيز الأمن والاستقرار الإقليميين. ويعكس تقارب وجهات النظر بين أبوظبي وبرلين حيال العديد من الملفات الحساسة مدى الموثوقية العالية التي تتمتع بها السياسة الخارجية الإماراتية على الساحة الدولية، ودورها البناء في تقريب وجهات النظر ودعم الحلول الدبلوماسية للأزمات بما يعزز مقومات الأمن والسلم الدوليين.

حضر الاجتماع من الجانب الإماراتي عدد من أعضاء الوفد المرافق لصاحب السمو رئيس الدولة، الذي يضم كلاً من الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية، والشيخ حمدان بن محمد بن زايد آل نهيان نائب رئيس ديوان الرئاسة للشؤون الخاصة، والشيخ محمد بن حمد بن طحنون آل نهيان مستشار رئيس الدولة، وعدداً من الوزراء والمسؤولين، كما حضره من الجانب الألماني عدد من الوزراء والمسؤولين المعنيين بتطوير العلاقات الثنائية. ويعكس هذا الحضور الرفيع المستوى حجم الاهتمام المتبادل والحرص المؤسسي على دفع مختلف مسارات التعاون إلى مستويات غير مسبوقة تخدم الأهداف الاستراتيجية المشتركة.

وفي ظل تواصل هذه الاجتماعات التمهيدية والموسعة، ترتفع سقف التوقعات في الدوائر السياسية والاقتصادية ببرلين لما ستسفر عنه اللقاءات المقبلة مع المستشار الألماني والحكومة الفيدرالية. وتتجه الأنظار نحو إمكانية التوقيع على حزمة جديدة من اتفاقيات الشراكة ومذكرات التفاهم النوعية التي تلامس قطاعات المستقبل، كالتقنيات الرقمية المتقدمة، وسلاسل الإمداد الآمنة، والصناعات التكنولوجية المتقدمة. وستشكل هذه النتائج المرتقبة ختاماً لزيارة الدولة، وتدشيناً لمرحلة متقدمة من التعاون الاستراتيجي الشامل والمستدام، بما يترجم الطموحات المشتركة للقيادتين في بناء جسور اقتصادية وتنموية تدعم الاستقرار الإقليمي والعالمي.

https://hura7.com/?p=84510

الأكثر قراءة