جريدة الحرة بيروت

بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي
في قمة السبع التي عُقدت في فرنسا بتاريخ 15 يونيو 2026، تخلّل القمة حدثان كانا قد خيّما على لقاء رؤساء الدول السبع؛ الأول هو الاتفاق الإيراني–الأمريكي الذي حاول الرئيس ترامب توقيعه إلكترونيًا وحمله إلى القمة من أجل التفاهم مع الاتحاد الأوروبي والغرب بشأن المشاركة في ضمان سلامة الملاحة في خليج هرمز، والثاني هو دعوة أوكرانيا للمشاركة كضيف رئيسي في قمة السبع للبحث في مشكلتها وطرق حلها.
فإن الملفات الشائكة باتت تفرض نفسها على طاولة قمة الدول السبع، حيث أصبحت دبلوماسية النزاعات والمصالح الدولية أكثر تعقيدًا وتصاعدًا، ولم يعد بالإمكان التفاوض حولها أو تسويتها دون مشاركة الأطراف المعنية بها بشكل مباشر.
وفي هذا السياق، برزت دبلوماسية الدول الصاعدة أو الناهضة، مثل الدور الإيراني والدور الأوكراني، كعنصر أساسي في صناعة الحلول وإعادة تشكيل مقاربات التعامل مع الأزمات الدولية، إذ لم يعد دور هذه الدول هامشيًا، بل أصبح جزءًا من معادلات التوازن والنفوذ، سواء في إطار الحفاظ على المصالح أو في صياغة ترتيبات جديدة داخل النظام الدولي.
ملفات الدول الصاعدة في اجتماعات الكبار
في السابق، كانت “ملفات الصغار” تُدار وتُحسم بقرارات القوى الكبرى وفق أحكام مسبقة، إلا أن هذا النمط لم يعد قائماً بالدرجة نفسها اليوم. فقد أصبحت الملفات الدولية الشائكة أكثر تعقيدًا وتشابكًا، ولم يعد بالإمكان حسمها دون مشاركة أو موافقة الدول الناشئة التي فرضت حضورها التدريجي على مسرح السياسة الدولية.
وهكذا برزت ملامح دبلوماسية جديدة تقوم على تعدد الفاعلين بدل احتكار القرار التقليدي، حيث لم تعد القوى الكبرى قادرة على إدارة الأزمات وحدها، بل أصبحت مضطرة إلى التفاوض والتنسيق مع قوى صاعدة تمتلك أدوات تأثير سياسية واقتصادية وإعلامية متنامية، ما جعلها جزءًا أساسيًا من معادلات صنع القرار الدولي.
لذلك تعتمد هذه الدبلوماسية على العمل داخل المنظمات والتكتلات الدولية والإقليمية، مثل الأمم المتحدة ومجموعة العشرين والتكتلات الاقتصادية والسياسية المختلفة، وتهدف الدول الناهضة من خلالها إلى التأثير في القرارات الدولية، وبناء تحالفات جديدة، والدفاع عن مصالحها ضمن إطار جماعي بدل الاعتماد على العلاقات الثنائية فقط، كما تسعى إلى المطالبة بإصلاح النظام الدولي ومنح الدول الصاعدة دورًا أكبر في صناعة القرار العالمي.
ومن هنا، فرضت القوى الصاعدة حضورها ودبلوماسيتها على طاولة الكبار، حيث تتميّز الدول الناهضة بقدرتها على توظيف الدبلوماسية النشطة والقوة الناعمة والإعلام والتكنولوجيا لتعزيز نفوذها الإقليمي والدولي دون الاعتماد الكامل على القوة العسكرية التقليدية، مع مرونة في التحالفات الدولية وسعي مستمر لتوسيع الحضور الاقتصادي والسياسي عبر الدبلوماسية الاقتصادية، بما يجعلها طرفًا مؤثرًا في إعادة تشكيل التوازنات داخل النظام الدولي.
قمة السبع والمشكلة الأوكرانية
في الوقت التي كانت فيه أوكرانيا تستعد للمفاوضات مع الشركاء الأوروبيين ومجموعة السبع والاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، ومحاولة تعزيز دفاعاتها الجوية والتنسيق على الدعم العسكري والصاروخي وترتيب التعاون اللوجستي في ظل التهديد الروسي المستمر، كانت روسيا ليلاً تمطر أوكرانيا بأعنف هجمات صاروخية ومدمّرة، وبالرغم من التهديد الروسي الواضح الذي وُجّه نحو العاصمة كييف، شنت موسكو أكبر هجوم جو-فضائي منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية بتاريخ 14 يونيو 2026، حيث أطلقت 1920 هجوماً و1790 قنبلة جوية موجهة و17 صاروخاً من أنواع مختلفة على أوكرانيا عامة وعلى العاصمة بشكل خاص. وفي هذا السياق يبرز نقاش أوسع حول التحولات في الدبلوماسية الدولية، حيث باتت الدول الصاعدة تحاول فرض حضورها في صياغة الحلول، من إيران إلى أوكرانيا، بما يعكس انتقال جزء من مركز الثقل نحو قوى صاعدة تسعى إلى فتح أبواب التفاهم مع القوى الكبرى وفرض مقارباتها على الملفات الدولية.
التصعيد الدموي الروسي
وفي هذا السياق، استهدفت غارة جوية روسية واسعة النطاق مجمّع “كييف بيشيرسك لافرا” (دير الكهوف) التاريخي، أحد أبرز المعالم الدينية والأثرية للكنيسة الأرثوذكسية في أوكرانيا. وقد أسفر القصف عن اندلاع حريق كبير في سقف كاتدرائية “رقاد السيدة العذراء” الأثرية، التي يعود تاريخ بنائها إلى القرن الحادي عشر، ما أثار مخاوف جدية بشأن سلامة هذا الموقع المصنّف ضمن التراث الديني والثقافي العريق، وهذه ليست المرة الأولى التي يتعرض فيها لأضرار جسيمة، إذ سبق أن تضرر خلال الحرب العالمية الثانية على يد القوات الألمانية النازية.
تصريحات الرئيس الاوكراني
في تصريحات أدلى بها قبل نحو أسبوع من دعوته إلى قمة مجموعة السبع، أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن الاتحاد الأوروبي عبّر بشكل علني عن دعمه لفتح جولة جديدة من المفاوضات المتعلقة بانضمام أوكرانيا إلى الاتحاد. ويُعدّ هذا التطور خطوة مهمة تمنح زخماً سياسياً جديداً لمسار أوكرانيا نحو الاندماج الأوروبي، في ظل الحرب المستمرة مع روسيا وما يرافقها من تحولات في أولويات السياسة الأوروبية. كما أعلن الرئيس الأوكراني أن بلاده أنجزت معظم الشروط المطلوبة، مؤكداً استعدادها للجولات الست التي حددها الاتحاد الأوروبي للمفاوضات المقبلة ابتداءً من الصيف القادم، ما يعني—بحسب رؤيته—أن مسار الانضمام لن يشهد تأخيراً طويل الأمد.
وقد عبّر زيلينسكي عن امتنانه لكل الدول والمؤسسات التي ساهمت في الدفع بهذا المسار، معتبراً أن هذه الخطوة تعكس التزاماً أوروبياً واضحاً بدعم مستقبل أوكرانيا داخل البنية الأوروبية. هذا الدعم السياسي لا يقتصر على البعد الرمزي فقط، بل يفتح أيضاً الباب أمام مسار تفاوضي طويل ومعقّد، يرتبط بإصلاحات داخلية في أوكرانيا وبمدى قدرة الاتحاد الأوروبي على استيعاب دولة في حالة حرب ضمن بنيته المؤسسية.
في القمة الأخيرة لمجموعة السبع، بدا واضحًا أن ملف أوكرانيا تصدّر جدول الأعمال، مع مشاركة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي وحضوره إلى جانب قادة الدول الصناعية الكبرى. واللافت في هذه القمم عادةً هو أن أوكرانيا لم تعد مجرد “موضوع نقاش” بين القادة، بل أصبحت طرفًا حاضرًا في المداولات نفسها، وهو ما يعكس انتقالها من موقع الدولة المتلقية للدعم إلى موقع الشريك السياسي الذي يُستمع إليه مباشرة.
أما من ناحية الاستقبال في فرنسا، فقد تميّز بالفعل بطابع بروتوكولي وسياسي “حار” نسبيًا، حيث أظهر قادة السبع دعمًا علنيًا ومتكررًا لكييف، سواء عبر التصريحات أو الصور الجماعية أو اللقاءات الثنائية مع زيلينسكي. هذا النوع من الاستقبال يحمل رسائل مزدوجة: من جهة تأكيد استمرار الدعم الغربي لأوكرانيا في مواجهة روسيا، ومن جهة أخرى محاولة إظهار وحدة الموقف رغم التباينات داخل المجموعة حول تكلفة الحرب واستمراريتها.
لكن في الخلفية، ورغم هذا الدعم العلني، يبقى هناك نقاش أعمق داخل دول السبع حول طول أمد الحرب واستنزافها الاقتصادي، ومسألة التمويل العسكري، وكيفية إدارة أي تسوية مستقبلية مع روسيا.
الرسالة الروسية إلى قمة السبع
يبدو أن روسيا سعت، من خلال التصعيد العسكري المكثف والضربات الصاروخية الواسعة على أوكرانيا، إلى توجيه رسالة سياسية مباشرة تتزامن مع انعقاد قمة السبع في فرنسا، حيث كان ملف أوكرانيا أحد أبرز بنود جدول الأعمال، إلى جانب نقاشات حول سبل التسوية.
ويُفهم من هذا التصعيد أن موسكو حاولت التأثير على مزاج القمة وصياغة مواقفها، عبر إظهار قدرتها على رفع كلفة الحرب وتوسيع نطاقها، بما قد يدفع الدول الأوروبية إلى إعادة النظر في خيارات الدعم العسكري لكييف، سواء في ما يتعلق بتطوير منظومات الردع والدفاع الصاروخي الأوكراني، أو في مسار انخراطها الأوسع داخل المؤسسات الغربية.
كما يمكن قراءة هذا التوجه في إطار محاولة روسية للضغط على أوروبا والولايات المتحدة معًا، لمنع أي اندفاع نحو تعزيز اندماج أوكرانيا في البنية الغربية، سواء عبر الاتحاد الأوروبي أو عبر ترتيبات أمنية متقدمة، إضافة إلى التأثير على مواقف الشركاء الغربيين، بما في ذلك أي تنسيق محتمل مع إدارة أمريكية مثل إدارة ترامب، خاصة في ظل انشغال واشنطن بملفات دولية أخرى كالاتفاقات المرتبطة بأمن الملاحة في الخليج.
وفي هذا السياق، تسعى موسكو إلى دفع الأوروبيين نحو مقاربة تفاوضية أكثر تحفظًا، تقوم على تسوية سياسية تُبقي على مكاسبها الميدانية، بدل الانزلاق نحو تصعيد طويل الأمد أو توسع في الدعم العسكري الغربي لأوكرانيا، مع ما قد يرافق ذلك من مخاطر توسع الصراع إقليميًا أو على نطاق أوسع.
اذًا،هذا التزامن بين التصعيد العسكري الروسي من جهة، والتحركات الدبلوماسية الأوكرانية مع الشركاء الغربيين من جهة أخرى، يعكس تعقيد المشهد ويدفع الأوروبيين إلى مزيد من النقاش حول تنسيق المواقف مع الولايات المتحدة، في إطار البحث عن حل واضح للأزمة الأوكرانية، وبما يشمل أيضاً دوراً أمريكياً أوسع في أي تسوية مستقبلية تقودها إدارة ترامب أو أي شريك دولي آخر. وفي المقابل، تتركز الجهود الغربية على تعزيز أمن الممرات البحرية وحماية خطوط الملاحة الدولية، بما في ذلك التعاون في ملفات أمن الطاقة والممرات الحيوية، في سياق أوسع من التحديات الجيوسياسية المتداخلة.


