الأكثر قراءة

قمة برلين التاريخية: استثمارات بـ40 مليار يورو وشراكة استراتيجية شاملة بين الإمارات وألمانيا

جريدة الحرة بيروت

خاص ـ تستضيف العاصمة الألمانية برلين محطة دبلوماسية واقتصادية بالغة الأهمية تتمثل في زيارة الدولة التي يقوم بها الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة إلى جمهورية ألمانيا الاتحادية، والتي تستغرق يومين. وتكتسب هذه اللقاءات التاريخية طابعاً استثنائياً لكونها أول زيارة دولة يقوم بها رئيس لدولة الإمارات إلى ألمانيا، مما يعكس عمق ومتانة الروابط الثنائية التي تمتد لأكثر من خمسة عقود من العمل المشترك والثقة المتبادلة. وفي مأدبة عشاء رسمية أقيمت تكريماً للضيف الكبير، ألقى الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير خطاباً سلط فيه الضوء على الطبيعة المتغيرة للمشهد الدولي، مبدياً أن العالم أصبح مكاناً أكثر اضطراباً وأن اليقينيات القديمة تنهار، الأمر الذي يجعل الحاجة ملحة أكثر من أي وقت مضى لوجود شركاء موثوقين وعقلانيين.

تأتي هذه القمة استجابة حية للتوترات الجيوسياسية الجديدة في المنطقة والعالم، بما في ذلك التداعيات الإقليمية والأمنية التي أثرت على دول الخليج، حيث أشار الرئيس الألماني صراحة إلى الهجمات الأخيرة التي تعرضت لها دولة الإمارات، معتبراً أن توقيت الزيارة جاء مثالياً لتأكيد التضامن والشراكة الوثيقة. وأوضح شتاينماير أن ألمانيا تجد في الإمارات شريكاً يعتمد عليه، وأن برلين بدورها تمثل الحليف الموثوق الذي يقدم الحلول والقيم المشتركة. وقد استُقبل رئيس الدولة عند وصوله بمراسم عسكرية رسمية رفيعة المستوى، أعقبها عقد لقاء قمة رسمي ومباحثات موسعة جمعت رئيس الدولة بالمستشار الألماني فريدريش ميرز في مقر المستشارية ببرلين، حيث بحث الجانبان سبل دفع مسارات التعاون المشترك نحو آفاق أرحب.

حزمة مالية ضخمة لدعم مسارات التنمية ومستقبل الاقتصاد

أسفرت المباحثات عن إعلان بارز تمثل في تخصيص دولة الإمارات استثمارات بقيمة 40 مليار يورو في الاقتصاد الألماني، وذلك بهدف توطيد الشراكة طويلة الأمد ورفد مسيرة النمو المستدام. ووفقاً لما أعلنته وكالة أنباء الإمارات “وام”, ستتوجه هذه الأموال الضخمة نحو قطاعات حيوية متعددة تشمل الصناعة، والتكنولوجيا المتقدمة، والذكاء الاصطناعي، والبنية التحتية الرقمية، وقطاع الطاقة بمختلف مساراته. ولفتت التقارير إلى أن ربع هذا المبلغ الإجمالي، أي ما يعادل 10 مليارات يورو، سيتم توجيهه بالكامل للاستثمار في مقاطعة بافاريا الألمانية لدعم قاعدتها الصناعية والابتكارية.

هذا الضخ الهائل لرؤوس الأموال يعكس بوضوح طموح الجانبين في بناء جسور اقتصادية مستدامة تتجاوز الأطر التقليدية. وفي هذا السياق، أكد الدكتور سلطان الجابر، وزير الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة والعضو المنتدب والرئيس التنفيذي لمجموعة أدنوك، أن هذه التدفقات تأتي تتويجاً لنهج الدولة المتمثل في الاستثمار من أجل المستقبل وبناء شراكات تدوم. وأوضح أن الاستثمار الجديد يضاف إلى مبلغ 34 مليار يورو وضعتها الإمارات بالفعل في ألمانيا، ليدعم الصناعات والتقنيات الماهرة التي تسهم في تعزيز التنافسية وأمن الطاقة وسلاسل التوريد العالمية، فضلاً عن تمكين الشركات الألمانية من مواصلة النمو والمنافسة في الأسواق الواسعة بآسيا وأفريقيا والخليج.

التكامل التجاري: لغة الأرقام والمصالح المتبادلة بين البلدين

تُعد دولة الإمارات الشريك التجاري الأبرز والأهم لألمانيا في منطقة الخليج العربي بلا منازع، حيث بلغ حجم التبادل الثنائي العام الماضي ما يزيد قليلاً على 13 مليار يورو (ما يعادل حوالي 15 مليار دولار). وتظهر بيانات التجارة الخارجية تفوقاً ملحوظاً في حجم الصادرات الألمانية إلى الإمارات والتي بلغت نحو 11 مليار يورو، بينما سجلت الواردات نحو 2 مليار يورو، مع تمركز الاستثمارات الألمانية بصورة أساسية حول التكنولوجيا المتقدمة والمنتجات الرأسمالية كالآلات والصناعات الكيميائية. وتستفيد الشركات الألمانية من البيئة التشريعية الجاذبة في الدولة التي تضمن لها قواعد انطلاق قوية نحو الأسواق الناشئة.

أقر المسؤولون في كلا البلدين بالطفرة التنموية الكبرى التي حققتها الإمارات عبر تنويع اقتصادها بعيداً عن الاعتماد الحصري على النفط والغاز، والتوجه نحو التقنيات المستدامة والطاقات المتجددة. وقد أشاد الرئيس الألماني بالإمكانات الكبرى التي تمتلكها الدولة ولا سيما في قطاع الهيدروجين الأخضر، معتبراً إياها شريكاً مثالياً لا غنى عنه. وفي المقابل، ترفد ألمانيا هذه الشراكة بقدراتها الصناعية الهائلة، وخبراتها الهندسية المتقدمة، وشركاتها ذات التنافسية العالمية، مما يخلق معادلة متكاملة تدمج رأس المال الإماراتي طويل الأجل بالخبرات التقنية الأوروبية العريقة.

تدشين الحوار الاستراتيجي وتأسيس مجلس الأعمال المشترك

شهدت زيارة الدولة توقيع حزمة واسعة وشاملة من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم وإعلانات النوايا المشتركة التي تستهدف إعادة تنشيط وتطوير الشراكة الاستراتيجية الشاملة القائمة بين البلدين منذ عام 2004. ومن أبرز النتائج المعلنة، إبرام اتفاقية لإنشاء “مجلس استثمار إماراتي ألماني” مشترك، وإطلاق “حوار استراتيجي” متكامل يتضمن خطة عمل من 12 نقطة تحدد بوضوح القطاعات التي سيتم البناء عليها لضمان تحقيق نتائج عملية وملموسة تعود بالنفع المتبادل على الشعبين الصديقين.

ومن أهم البنود الواردة في وثيقة الحوار الاستراتيجي، معالجة ملف قطاع النقل الجوي عبر النص على إمكانية وصول الناقلات الوطنية الإماراتية إلى مطار برلين الرئيسي. وتجدر الإشارة إلى أن شركة “طيران الإمارات”، التي تتخذ من دبي مقراً لها، تسير رحلات منتظمة إلى عدة محاور ألمانية رئيسية تشمل دوسلدورف، وفرانكفورت، هامبورغ، وميونيخ، إلا أن القيود السابقة حالت دون خدمتها لمطار العاصمة، لتأتي هذه الخطوة كاختراق نوعي يعزز حركة السفر والسياحة والربط التجاري بين البلدين.

آفاق واسعة للتعاون في الطاقة، التكنولوجيا، والأمن السيبراني

تتطرق الشراكة المتجددة بين أبوظبي وبرلين إلى قطاعات استراتيجية دقيقة ومستقبلية، حيث تتضمن الاتفاقيات الموقعة إعلانات مشتركة لتوسيع التعاون في قطاع الطاقة والتحول الأخضر، ومذكرة تفاهم لاستكشاف آفاق التعاون في مجال الدفاع والأمن، إضافة إلى اتفاقيات لتعزيز الجهود في مكافحة الجريمة المنظمة والجرائم الإلكترونية والمساعدة القانونية المتبادلة. وفي المجال الرقمي، يبرز التوجه نحو توسيع مراكز البيانات في ألمانيا عبر استثمارات نوعية، إلى جانب مذكرة لتعزيز التعاون في مجال استضافة البيانات وأنظمة المعلومات.

ولا يقتصر التعاون عند هذا الحد، بل يمتد ليشمل القطاع البيئي، والشأن الثقافي، وتطوير مبادرة دولية مشتركة لتسهيل إجراءات المسافرين ورفع كفاءة النقل. وتؤكد وزارة الخارجية الإماراتية أن هذه المنظومة المتكاملة من الاتفاقيات تستهدف تغطية مجالات الأمن الإقليمي، والتجارة، والتقنيات الناشئة، والتعليم، مما يضمن صياغة مستقبل أكثر أماناً وازدهاراً للأجيال القادمة، ويؤكد قدرة القيادتين على تحويل الرؤى المشتركة إلى مشاريع تنموية ملموسة على أرض الواقع.

الدور المحوري للمؤسسات المالية ودعم سلاسل التوريد

حظي القطاع المصرفي والمالي بنصيب وافر من النقاشات والاتفاقيات، حيث تلعب المؤسسات الكبرى دوراً حيوياً في تأمين التدفقات النقدية اللازمة للمشاريع المشتركة. وتسعى المصارف الكبرى في كلا البلدين إلى توفير التسهيلات اللازمة للشركات الناشئة والصناعات المتوسطة، مما يضمن مرونة عالية في حركة رءوس الأموال بين القارة الأوروبية ومنطقة الخليج. هذا الدعم المالي يشكل ركيزة أساسية لضمان استمرارية الابتكار الصناعي وحماية سلاسل التوريد العالمية من أية هزات مفاجئة قد تضرب الأسواق الدولية.

تنعكس هذه التفاهمات المالية بشكل مباشر على قدرة الشركات الصناعية والتقنية على التوسع وفتح أسواق جديدة في قارات أخرى، مستفيدة من الملاءة المالية القوية والشبكة الواسعة التي تمتلكها المؤسسات الاستثمارية الإماراتية. وبذلك تتكامل الأدوار بين القدرات المصرفية والرؤية الصناعية لترسم ملامح بيئة استثمارية مستقرة وجاذبة للكفاءات والعقول المبتكرة.

الاستثمار في الكفاءات البشرية وتطوير منظومة البحث العلمي

تجاوزت خطط التعاون المشترك حدود الأرقام والصفقات المالية لتلامس بعمق قطاعات التعليم العالي والبحث العلمي وتطوير الكفاءات البشرية. فقد اتفق الجانبان على تبادل الخبرات الأكاديمية والتدريبية في مجالات التقنيات المتقدمة والذكاء الاصطناعي، بهدف بناء جيل جديد من الكوادر المؤهلة القادرة على قيادة التحول الرقمي والصناعي بكفاءة واقتدار.

تتضمن البرامج المستقبلية إطلاق مبادرات مشتركة بين الجامعات والمراكز البحثية الرائدة في أبوظبي وبرلين، لتمويل مشاريع بحثية نوعية تركز على حل التحديات البيئية والطاقية المعاصرة. وترسخ هذه الخطوات قناعة البلدين بأن الاستثمار الحقيقي يبدأ من تطوير القدرات الفكرية والعلمية، مما يعزز استدامة النجاح ويضمن استمرار التفوق التنافسي على المدى الطويل.

https://hura7.com/?p=84543

الأكثر قراءة