الأكثر قراءة

كالينينغراد ورقة بوتين في مواجهة أوروبا

جريدة الحرة بيروت

 المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات  ـ ألمانيا وهولندا ECCI

وضعت زيارة رئيس وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية “CIA” المفاجئة إلى موسكو الكرملين وفلاديمير بوتين في موقف حرج لتقديم تفسير. ففي الوقت الذي تحاول فيه روسيا التقليل من أهمية الزيارة، تعمل الدعاية الروسية على بناء سيناريو للتهديد. نفى المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف ببساطة عقد لقاء بين جون راتكليف وفلاديمير بوتين، رغم أن الرئيس الروسي ألغى في ذلك اليوم موعدًا آخر كان مدرجًا في جدول أعماله، كما نُقل راتكليف عبر وسط العاصمة الروسية.

يظهر رئيس جهاز الاستخبارات الخارجية الروسي “SVR” أمام الكاميرات، ويصف الزيارة بأنها “اتصال عمل عادي”. ويقول سيرغي ناريشكين، بنبرة ودية على ما يبدو، إنه يلتقي عمليًا كل أسبوع برؤساء أجهزة استخبارات مختلفة من أنحاء العالم. لكن بعد ذلك بوقت قصير، يتضح أن رئيس وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية ربما لم يلتق ناريشكين أصلًا، وإنما التقى رئيس جهاز الأمن الفيدرالي الروسي “FSB” ألكسندر بورتنيكوف، أحد المقربين من بوتين منذ سنوات طويلة.

إنذار نهائي لبوتين

في الوقت نفسه، يسود في روسيا إما صمت تام، أو يخوض المروجون للدعاية معركة للتصدي للانطباع بأن الأمريكيين ربما حملوا تحذيرًا إلى بوتين. أما فكرة توجيه إنذار نهائي إلى فلاديمير بوتين، فهي بالنسبة إلى الدعاية التابعة للكرملين أمر مستحيل. ويتمثل الخطاب السائد في أنه من الصعب تصور أن يظهر مدير وكالة الاستخبارات المركزية أمام الرئيس الروسي ليضع أمامه تحذيرًا.

وبدلًا من ذلك، تُطرح تفسيرات أخرى للزيارة، مثل تبادل المعلومات أو مطالبة واشنطن بخفض حدة الهجمات الروسية على أوكرانيا. وهكذا يظهر رئيس وكالة الاستخبارات المركزية بوصفه طرفًا يطلب شيئًا من موسكو، وهو تصور يتوافق بصورة أكبر مع الرؤية التي يروج لها الكرملين.

سيناريو كالينينغراد

بينما تقلل موسكو من أهمية زيارة رئيس وكالة الاستخبارات المركزية، ترسم الدعاية الروسية صورة قاتمة للوضع في أوروبا. وغالبًا ما تتمحور هذه الرواية حول كالينينغراد، إذ تزعم أن حلف الناتو يستعد لشن هجوم على الجيب الروسي. وتزعم الدعاية الروسية أن فنلندا تخطط لضربة استباقية، وأن الحلف الغربي يريد تدمير القدرات العسكرية الموجودة في كالينينغراد.

وتذهب هذه الادعاءات غير المثبتة إلى أن هجومًا على المنطقة جرى بحثه مرارًا باعتباره سيناريو محتملًا داخل حلف الناتو. كما تزعم أن الحلف لا ينقصه سوى المال لشن حرب واسعة على روسيا، وأن “الغرب الجماعي المتعفن” يبحث بالفعل عن الوسائل اللازمة لذلك، وفقًا لما يعلنه خبراء مزعومون في البرامج السياسية الروسية.

في حال وقوع هجوم، تستعد روسيا لرد جذري، وفقًا لما أعلنه أندريه كوليسنيك، عضو لجنة الدفاع في مجلس الدوما الروسي، وقال كوليسنيك إن الجانب الروسي يدرس سيناريوهات محتملة في حال تعرض كالينينغراد لهجوم من جانب حلف الناتو. وأكد أن موسكو لا تعتزم شن أي عدوان، لكنه أضاف أن روسيا تمتلك وسائل “لتبريد حماس أي متهور”. وبحسب تصريحاته، يتعين أحيانًا “إشعال نار الحرب” حتى يدرك الخصوم العواقب المحتملة.

من الهجوم إلى الدفاع

وهكذا، تظهر روسيا فجأة لا باعتبارها مصدرًا محتملًا لتصعيد جديد، وإنما باعتبارها ضحية يتعين عليها الدفاع عن نفسها في مواجهة هجوم مزعوم ووشيك من جانب حلف الناتو. ويشكل هذا الانقلاب في رواية الأحداث عنصرًا أساسيًا في الدعاية الروسية. فمن خلاله يجري بناء سيناريو للتهديد يمكن استخدامه في حال حدوث تطورات أخرى لتبرير خطوات إضافية.

وفي حال حدوث تصعيد عسكري، يمكن تقديم التدخل الروسي على أنه رد فعل، وليس هجومًا، بل باعتباره تحركًا مزعومًا لحماية كالينينغراد. وهذه التكتيكات ليست جديدة بأي حال من الأحوال. فمنذ البداية، تصور دعاية الكرملين الهجوم على أوكرانيا باعتباره عملًا من أعمال الدفاع عن النفس، أو ردًا اضطراريًا على تهديد مزعوم.

على الجناح الشرقي لحلف الناتو، تتزايد منذ أشهر المخاوف من أن توسع روسيا الحرب إلى مناطق أخرى من أوروبا. ويظهر هذا القلق بصورة خاصة في دول البلطيق. وفي هذا السياق، دخل مصطلح جديد إلى قاموس الدبلوماسيين وأجهزة الاستخبارات الأوروبية، وهو “التصعيد الأفقي”. ولا يُقصد به تصعيد الحرب داخل أوكرانيا، وإنما التوسع الجغرافي للصراع إلى ما وراء الأراضي الأوكرانية.

تجري مناقشة هذا السيناريو بصورة مكثفة. وتتزايد المخاوف من أن توسع روسيا الحرب إلى مناطق أخرى من أوروبا. كما تسهم التدريبات النووية الروسية والبيلاروسية، إلى جانب التوترات الجديدة المحيطة بكالينينغراد، في زيادة هذه المخاوف. ومؤخرًا، أجرت موسكو تدريبات على التعبئة في الجيب الروسي، وهو ما يمثل إشارة واضحة إلى الغرب.

https://hura7.com/?p=83901

الأكثر قراءة