الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

كندا والاستقطابات القادمة: بين أمريكا والاتحاد الأوروبي

جريدة الحرة بيروت

بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

يسعى الاتحاد الأوروبي إلى استقطاب الكنديين للعودة إلى وطنهم التاريخي بدافع اليأس، حيث يحرص الأوروبيون على إقناع كندا بالانضمام إلى الاتحاد، مشيرين إلى أن الجغرافيا ليست عائقًا أمام التقارب الفكري والمشاعر الصادقة بين الطرفين. ومع ذلك، يتبنى البعض في كندا هذه الدعوات بقلق، بل إن بعضهم يرى فيها فرصة للانتقام من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وبينما قد تبدو الفكرة غريبة للوهلة الأولى، فإنها ليست خالية من المنطق في ضوء المتغيرات الجيوسياسية الحالية.

كندا، مثل امرأة مرغوبة في الساحة الجيوسياسية، تجد نفسها محط أنظار كل من الأمريكيين والأوروبيين. كل طرف يعرض نفسه كالشريك المثالي، لكن من الصعب تحديد من هو الأكثر جدية في عرضه. على سبيل المثال، يتكرر اقتراح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن تصبح كندا الولاية الحادية والخمسين للولايات المتحدة، ليحل بذلك جميع مشاكلها الاقتصادية والسياسية. ترامب يدعي الجدية في هذا الطرح، إلا أن البعض يراه مجرد دعابة تهدف إلى مخاطبة جمهور معين.

في المقابل، تظهر الثقافة الشعبية الأمريكية سخرية من الكنديين، واصفين إياهم بأنهم جزء من دولة فاشلة، وهو الأمر الذي يسبب إهانة للكنديين. هذه المواقف، بالرغم من كونها نكتة في معظم الأحيان، تعكس عمق التوتر في العلاقة بين كندا والولايات المتحدة. وبينما يبدو أن المواقف الأمريكية تتجه نحو التقليل من شأن كندا، يسعى الأوروبيون لإعادة فتح باب النقاش حول مستقبل العلاقات عبر الأطلسي.

من جهة أخرى، يقترح الأوروبيون على كندا الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي كحل بديل للتحالف الأمريكي. كان وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو أول من أشار إلى هذا الاحتمال، معترفًا بجاذبية الاتحاد الأوروبي وقدرته على جذب دول مثل أيسلندا وكندا في المستقبل. هذه العروض كانت تُطرح على شكل مزاح في البداية، لكن في الآونة الأخيرة، بدأ السياسيون الأوروبيون، مثل الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب، يناقشون الموضوع بجدية أكبر، مُبدين استعدادهم للتعاون مع كندا.

استطلاع رأي أُجري في عام 2025 أظهر أن 44٪ من الكنديين يفضلون الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، مقارنة بـ 30٪ فقط يؤيدون فكرة الانضمام إلى الولايات المتحدة. ويبقى السؤال الأهم: لماذا تفضل كندا أوروبا على الولايات المتحدة؟ ا بأن كندا تتمتع بنظام ضرائب مرتفعة، ونقابات قوية، وقيود على حرية التعبير، وهي خصائص تُعتبر أقرب إلى النموذج الأوروبي منها إلى النموذج الأمريكي. هذه المميزات تجعل الكثير من الكنديين يشعرون بالفخر الوطني، حيث يرون في كندا دولة مستقلة ومختلفة عن الولايات المتحدة، ليس فقط في الجغرافيا ولكن في القيم.

لكن هذا التوجه لا يقتصر على المستوى الشعبي فقط؛ فحتى على المستوى الحكومي، هناك من يفضل أوروبا. لكن رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، يدرك تمامًا أن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي قد يكون له تأثيرات اقتصادية سلبية على كندا، وقد يعرض بلاده لسلبيات اقتصادية مشابهة لما حصل مع إنجلترا.

الرغبة الأوروبية في تعزيز نفوذها من خلال انضمام كندا ليست خالية من الحسابات الجيوسياسية. الاتحاد الأوروبي يطمح لأن يصبح “القوة العظمى الثالثة” بجانب الولايات المتحدة والصين، ولعل الانضمام المحتمل لكندا سيكون خطوة نحو تحقيق هذا الهدف. في المقابل، ترى كندا في هذا النوع من التحالفات تهديدًا لمصالحها الاقتصادية المستقلة، حيث لا يمكن لحكومة كندية أن تسمح بفتح أبوابها أمام أموال الاتحاد الأوروبي بينما تضر بمصالح السوق الأمريكي.

كما أن العلاقات الحالية بين أمريكا وكندا قد تؤثر في هذه التوجهات. فبينما يعارض ترامب، مثل أي رئيس أمريكي آخر، فكرة إدخال كندا إلى الاتحاد الأوروبي، فإن العلاقة بين واشنطن وأوتاوا قد تشهد مزيدًا من التوترات نتيجة للتصريحات الأمريكية المتكررة حول وضع كندا.

في النهاية، وعلى الرغم من المغريات الأوروبية، فإن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي لا يزال بعيد المنال بالنسبة لكندا. كما هو الحال مع بريطانيا في المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي، تبقى المصلحة الاقتصادية هي العامل الحاسم في هذه القرارات. فبينما تظل فكرة التوحيد عبر استفتاء شعبي مشروعة، إلا أن رئيس الوزراء مارك كارني، بعقله الحسابي الدقيق، لا يبدو أنه سيقبل على المدى القريب بأن تكون كندا جزءًا من الاتحاد الأوروبي.

إذن، بينما تستمر المحاولات الأوروبية لإغراء كندا، تظل حسابات المصالح الاقتصادية والسياسية هي التي ستحدد مسار العلاقة المستقبلية بين الجانبين.

https://hura7.com/?p=78569

الأكثر قراءة