الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

كيف تعيد الحرب الإيرانية تشكيل التجارة في أوراسيا

جريدة الحرة بيروت

بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

أدى التصعيد المستمر للصراع في إيران إلى تحفيز القلق في مناطق واسعة من آسيا الوسطى وجنوب القوقاز، وهو ما أثار تساؤلات حول التأثيرات المحتملة لهذا النزاع على التجارة وأسعار الطاقة والأمن الإقليمي. إلا أن التداعيات الجيوسياسية العميقة للأزمة قد تسرع من التحول المستمر في أوراسيا، خاصة في إعادة ترسيخ الممرات التجارية عبر بحر قزوين، الذي أصبح نقطة وصل رئيسية للمنطقة نحو الأسواق العالمية.

لا تقتصر الحرب في إيران على كونها تهديدًا أمنيًا محليًا، بل هي بمثابة تحذير هيكلي يعيد النظر في الترابط الاقتصادي بين دول أوراسيا. تُعيد هذه الحرب تشكيل الاستراتيجيات التجارية على مستوى المنطقة، وقد تستمر تأثيراتها حتى بعد انتهائها. بينما تقوم الحكومات والشركات بتقييم المخاطر المرتبطة بالمرور عبر مناطق النزاع أو الدول الخاضعة للعقوبات، بدأ قطاع التجارة في تحويل مساراته نحو مسارات أكثر أمانًا واستقرارًا، مثل الممر الجوي عبر بحر قزوين. بهذه الطريقة، يعزز الصراع الإيراني الخيارات التجارية التي كانت تتحقق بالفعل نحو الممر الأوسط عبر بحر قزوين.

تفكك الروابط السوفيتية وتحديات جديدة

بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، ظلت دول آسيا الوسطى وجنوب القوقاز مرتبطة اقتصاديًا ولوجستيًا بروسيا عبر شبكة السكك الحديدية وخطوط الأنابيب والموانئ التي كانت جزءًا من البنية التحتية السوفيتية. بينما وفرت هذه الروابط الوصول إلى الأسواق العالمية، إلا أن روسيا كانت تستخدمها أحيانًا كأداة للضغط على تكاليف النقل، ما يمنحها نفوذًا اقتصاديًا على المنطقة.

التحول نحو ممر بحر قزوين

مع اندلاع الحرب الروسية في أوكرانيا عام 2022 وما تلاها من فرض عقوبات دولية على روسيا، بدأ هذا النظام السوفيتي القديم في التفكك. الحرب في إيران أضافت بُعدًا إضافيًا من عدم اليقين. فبفعل العقوبات المفروضة على كل من روسيا وإيران، بات من الضروري أن تبحث حكومات آسيا الوسطى عن خيارات بديلة لربط اقتصاداتها بالأسواق العالمية.

أصبح الممر الروسي الشمالي، الذي كان يشكل الطريق الرئيسي لآسيا الوسطى إلى أوروبا، محفوفًا بالمخاطر بعد عام 2022 بسبب العقوبات الاقتصادية. لذلك، بدأت دول آسيا الوسطى وجنوب القوقاز في البحث عن طرق بديلة لتوسيع خياراتها التجارية وتجنب الوقوع تحت تأثير العقوبات الاقتصادية.

فرص جديدة: الممر عبر بحر قزوين

في هذا السياق، أصبحت بعض دول المنطقة تنظر إلى أفغانستان كممر محتمل إلى الأسواق العالمية، ولكن الوضع السياسي المضطرب في البلاد جعل الممولين الدوليين يتحفظون على الاستثمار في مشاريع البنية التحتية هناك.

وفي حين أن العبور عبر إيران كان يبدو خيارًا جذابًا نظرًا للخطوط الحديدية القصيرة نسبيًا التي تربط البلاد بالخليج العربي، فإن العقوبات الدولية على إيران قد أثرت سلبًا على هذا الخيار. نتيجة لذلك، أصبح الممر عبر بحر قزوين أكثر جذبًا كحل بديل وأكثر أمانًا.

بدأت دول آسيا الوسطى بتكثيف استثماراتها في ما يُعرف بالممر الأوسط، الذي يمتد من كازاخستان عبر بحر قزوين وأذربيجان وجورجيا وتركيا، وهو طريق تجاري يربط آسيا بأوروبا. يجمع الممر بين السكك الحديدية والموانئ والشحن البحري، ويُعد خيارًا استراتيجيًا هامًا في ظل التوترات المتزايدة والعقوبات المفروضة على الشمال. أكدت الحرب الإيرانية أهمية هذا الخيار، حيث أصبح من الضروري لدول المنطقة البحث عن طرق عبور مستقرة بعيدًا عن مناطق النزاع.

من المرجح أن تُقلل الحرب في إيران من جاذبية العبور عبر الأراضي الإيرانية في المستقبل القريب، في ظل الأضرار الكبيرة التي لحقت بالبنية التحتية في إيران وتداعيات العقوبات المستمرة. ومن ناحية أخرى، أصبح الممر الأوسط هو الخيار الأكثر قوة لتأمين الوصول إلى الأسواق العالمية. يُمثل هذا الممر تطورًا طبيعيًا للروابط التجارية بين الشرق والغرب على غرار طرق الحرير القديمة، لكنه يجمع في طياته عناصر من العصر الحديث في مجال النقل.

وقد أدت الاستثمارات الكبيرة في تحديث الموانئ، وتحسين شبكات السكك الحديدية، ورقمنة الإجراءات الجمركية إلى تسريع حركة الشحن على هذا الطريق. كان يستغرق عبور كازاخستان وبحر قزوين وجنوب القوقاز عبر السكك الحديدية نحو 40 يومًا، لكن التحسينات الأخيرة جعلت الأمر يستغرق الآن أسبوعين فقط. هذه السرعة المتزايدة جعلت الممر الأوسط خيارًا أكثر جاذبية للتجارة العالمية، لا سيما مع تزايد الحاجة للوصول إلى الثروات المعدنية في آسيا الوسطى.

تسهم الحرب الإيرانية في تسريع التحول الاقتصادي في أوراسيا، حيث تتجه دول المنطقة بعيدًا عن الاعتماد على الطرق التجارية التقليدية عبر روسيا. أصبح الممر الأوسط الآن بوابة استراتيجية تربط الشرق بالغرب، ويُعد الخيار الأكثر ملائمة لدول آسيا الوسطى وجنوب القوقاز لضمان سيادتها الاقتصادية بعيدًا عن الهيمنة الروسية أو التأثيرات الخارجية الأخرى.

في النهاية ، تُظهر الحرب الإيرانية أن دول أوراسيا تتبنى نهجًا جديدًا في سياستها التجارية، يعتمد على التعاون الإقليمي والاستقلال الاقتصادي بدلاً من الانصياع إلى القوى الكبرى. مع تزايد عدم الاستقرار في المنطقة، يصبح الممر الأوسط أكثر أهمية من أي وقت مضى كممر استراتيجي يربط بين أسواق العالم ويضمن وصولًا موثوقًا ومستدامًا إلى الأسواق العالمية.

https://hura7.com/?p=77678

الأكثر قراءة