الأكثر قراءة

كيف سيتقرر مصير الملاحة في مضيق هرمز؟

جريدة الحرة بيروت

بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

تشكل قضية الملاحة في مضيق هرمز أحد أهم الملفات الجيوسياسية في منطقة الخليج العربي، حيث يتداخل فيها البعد الأمني مع المصالح الاقتصادية والاستراتيجية للدول الإقليمية والقوى الدولية. وفي هذا السياق، برزت الولايات المتحدة وإيران وسلطنة عُمان بوصفها الأطراف الأكثر تأثيرًا في مستقبل حركة الملاحة عبر هذا الممر البحري الحيوي، الذي تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط العالمية. وتشير التطورات الأخيرة إلى أن حسم مسألة فتح المضيق لن يكون بالضرورة نتيجة مواجهة عسكرية، وإنما قد يتحدد من خلال مسارات التفاوض والتفاهمات السياسية.

هل سيفتح المضيق دون شروط؟

أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن محادثات مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران ستبدأ في الثالث من أغسطس، معربًا عن اعتقاده بأن إيران ستوافق على إعادة فتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة الدولية. وقد انعكست هذه التصريحات سريعًا على الأسواق العالمية، إذ شهدت أسعار النفط انخفاضًا مؤقتًا نتيجة توقعات المستثمرين بإمكانية تراجع التوتر في المنطقة. غير أن المسؤولين الإيرانيين سارعوا إلى نفي وجود مفاوضات مباشرة مع الولايات المتحدة بهذا الشأن، مؤكدين أن ما يجري يقتصر على مباحثات ثنائية مع سلطنة عُمان، باعتبارها الدولة التي تتقاسم مع إيران الإشراف على الممر الملاحي في المضيق. ويشير هذا التباين في المواقف إلى أن إعادة فتح المضيق، إن تمت، لن تكون بالضرورة خطوة غير مشروطة، وإنما قد ترتبط بحزمة تفاهمات سياسية وأمنية أوسع.

تأجيل الضربة لا يعني إلغاءها

قبل الإعلان عن هذه التصريحات، كان ترامب قد أشار إلى تأجيل تنفيذ سلسلة من الضربات العسكرية ضد إيران، وهي الضربات التي وصفها بأنها كانت ستكون الأكبر منذ الحرب العالمية الثانية. وأوضح أن قرار التأجيل جاء، بحسب تصريحاته، نتيجة طلبات من عدد من الحلفاء العرب، إضافة إلى ما اعتبره مؤشرات على استعداد إيران لتقديم تنازلات، من بينها الموافقة على فتح مضيق هرمز وإنهاء ما وصفه بالتهديد النووي الإيراني.

وفي تصريحات لاحقة أدلى بها على متن الطائرة الرئاسية، أكد ترامب أن الولايات المتحدة وإيران تستعدان لبدء محادثات مباشرة، موضحًا أن الجانب الإيراني كان على علم بحجم الضربة العسكرية التي كانت واشنطن تستعد لتنفيذها، الأمر الذي دفعه – بحسب روايته – إلى الانخراط في المفاوضات. كما أعلن أن التوصل إلى اتفاق بشأن مضيق هرمز قد تحقق بالفعل، وأن الاتفاق النووي أو اتفاق نزع السلاح النووي الإيراني سيكون الخطوة التالية في مسار التفاهمات.

الموقف الإيراني: التفاوض وفق الشروط الإيرانية

لم تلق رواية ترامب قبولًا لدى الجانب الإيراني، إذ أوضح المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، أن المفاوضات الجارية تقتصر على المسار الإيراني–العُماني، ولا توجد أي مفاوضات مباشرة مع الولايات المتحدة بشأن إدارة مضيق هرمز. وأكد أن تنظيم الملاحة في المضيق يعد شأنًا ثنائيًا بين إيران وسلطنة عُمان، بحكم اشتراكهما في المياه الإقليمية للممر الملاحي، وأن أي قضايا تتعلق بالعلاقات مع الولايات المتحدة ستناقش في إطار منفصل ووفق الظروف السياسية المناسبة. ويُفهم من هذا الموقف أن طهران تسعى إلى إدارة مسار التفاوض وفق أولوياتها وربط أي تفاهمات بملفات أخرى تتجاوز قضية الملاحة.

سلطنة عُمان وسيطًا في إدارة الأزمة

ومن هذا المنطلق، بدا أن تصريحات ترامب قد قدمت المفاوضات الإيرانية–العُمانية باعتبارها مفاوضات أمريكية–إيرانية، في حين أكد المسؤولون الإيرانيون أن هدف هذه المباحثات يتمثل في التوصل إلى آلية لتنظيم عبور ناقلات النفط عبر المضيق، وليس إعلان إعادة فتحه بصورة كاملة. وفي هذا السياق، أشار وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى أن المفاوضات مع سلطنة عُمان بلغت مراحلها النهائية، إلا أن طهران نفت في الوقت نفسه التقارير التي تحدثت عن صدور موافقة رسمية على فتح المضيق.

وتشير المعلومات المتداولة إلى أن التفاهمات المطروحة تركز على تنظيم مسارات الملاحة داخل المضيق، بحيث يمر جزء من خط الملاحة عبر المياه الإقليمية الإيرانية، بينما يعبر الجزء الآخر المياه العمانية. غير أن الجانب الإيراني شدد على أن الاتفاق الفني بشأن المسارات لا يعني بالضرورة استئناف الملاحة بصورة طبيعية، بل يمثل خطوة أولية لا تكتمل إلا بتوافر شروط سياسية أخرى.

إيران تربط فتح المضيق بتسوية أوسع

في هذا الإطار، وصف المتحدث باسم الخارجية الإيرانية الاتفاق مع سلطنة عُمان بأنه “شرط ضروري، لكنه غير كافٍ”، مؤكدًا أن استئناف حركة الملاحة يرتبط أيضًا بمعالجة ما تعتبره طهران إخلالًا أمريكيًا بالتزاماتها، وفي مقدمة ذلك استمرار الإجراءات البحرية والعقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة على إيران، والتي ترى طهران أنها ما زالت قائمة رغم الحديث عن وقف إطلاق النار. ويشير ذلك إلى أن فتح المضيق لا يرتبط فقط بالترتيبات الفنية للملاحة، وإنما يتطلب معالجة مجموعة أوسع من الملفات السياسية والأمنية بين الجانبين.

ورغم استمرار الخلافات السياسية، فقد استجابت الأسواق المالية بصورة مباشرة لتصريحات ترامب، إذ انخفضت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط (WTI) في بورصة نيويورك التجارية بأكثر من خمسة في المائة، كما تراجعت العقود الآجلة لخام برنت في بورصة لندن بنسبة مماثلة تقريبًا. ويعكس هذا الانخفاض حالة التفاؤل التي سادت الأسواق نتيجة توقعات بانخفاض احتمالات إغلاق مضيق هرمز أو اندلاع مواجهة عسكرية واسعة قد تؤثر في إمدادات الطاقة العالمية.

إلا أن هذا التفاؤل لم يكن محل إجماع داخل قطاع الطاقة، إذ حذرت شركتا إكسون وشيفرون من استمرار الضغوط على أسواق الوقود، متوقعتين بقاء أسعار البنزين والديزل مرتفعة حتى نهاية العام نتيجة استمرار التوترات المرتبطة بالصراع الأمريكي–الإيراني. ويعكس هذا التباين بين رد فعل الأسواق والتقديرات طويلة الأجل أن مستقبل الملاحة في مضيق هرمز ما يزال مرهونًا بمآلات المفاوضات السياسية، وأن أي تقدم في هذا الملف سيظل مرتبطًا بقدرة الأطراف المعنية على التوصل إلى تسوية شاملة تعالج الجوانب الأمنية والسياسية والاقتصادية في آن واحد.

https://hura7.com/?p=82475

الأكثر قراءة