الأكثر قراءة

كيف صمدت إيران أمام الولايات المتحدة؟

جريدة الحرة بيروت

بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

في أعقاب الجولة الأولى من المحادثات الإيرانية–الأمريكية التي انعقدت في سويسرا، بدأ يتبلور مشهد جديد في العلاقة بين البلدين، يوحي بأن الحرب التي اندلعت في فبراير قد دخلت فعليًا مرحلة النهاية. وقف إطلاق النار المبدئي الذي وُقّع في منتصف يونيو، ثم عودة حركة الملاحة إلى ميناء إيراني دون عوائق، بدا وكأنه إعلان غير رسمي عن طيّ صفحة مواجهة عسكرية قصيرة لكنها مكثفة. وفي الوقت نفسه، عادت السفن للعبور في مضيق هرمز، وفتحت قنوات تفاوضية نحو تسوية أوسع.

رواية واحدة طاغية: إيران صمدت.

لم يكن هذا الصمود مجرد بقاء عسكري، بل لحظة سياسية رمزية. فلأول مرة منذ عقود، تدخل قوة كبرى مواجهة مباشرة دون أن تنجح في دفع دولة متوسطة بحجم إيران إلى الانهيار. صحيح أن الكلفة كانت باهظة: تضررت بنى تحتية، وتعرضت قطاعات صناعية لضربات قاسية، وسقطت قيادات بارزة، وارتفعت الخسائر الاقتصادية إلى مستويات كبيرة. لكن رغم ذلك، لم تنهَر الدولة، ولم يتغير شكلها السياسي، ولم تُنتزع سيادتها.

في المقابل، لم تحقق الولايات المتحدة وإسرائيل نتائج حاسمة على المستوى الاستراتيجي، رغم تفوقهما العسكري والتكنولوجي. وهكذا ولدت مفارقة الحرب: طرف يملك قوة ساحقة، لكنه لا يملك الحسم.

داخل هذا الإطار، لم تُقدَّم الحرب كنصر أو هزيمة تقليدية، بل كحالة توازن قاسٍ: إيران خرجت مثقلة بالجراح، لكنها بقيت واقفة على قدميها، محافظة على تماسكها السياسي، ومحتفظة بما يمكن تسميته “تفوقًا معنويًا” في مواجهة خصم يفترض أنه لا يُقهر.

وتذهب هذه الرواية إلى أبعد من ذلك، لتشير إلى أن الحرب أعادت تعريف مفهوم القوة ذاته. فإثبات إمكانية إلحاق الأذى بالقوات الأمريكية، ولو بشكل محدود، كان كافيًا لإعادة تشكيل إدراك الردع، وتحويل الحرب من مسألة أرقام وخسائر إلى سؤال أعمق حول حدود القوة وإرادة الاستمرار.

الترويج الروسي لسردية “الانتصار الإيراني

لقد برز خطاب إعلامي روسي يسعى إلى إعادة تفسير نتائج المواجهة بين إيران والولايات المتحدة من زاوية مختلفة عن السرد الغربي. فمع الحديث عن “اتفاق إطار” جديد في سويسرا، قدّمت بعض وسائل الإعلام الروسية صورة مفادها أن إيران لم تخرج فقط صامدة، بل استطاعت أيضًا فرض شروطها على طاولة التفاوض.

وفق هذا الخطاب، لا يُنظر إلى مسار التفاهمات كتنازلات متبادلة، بل كامتداد مباشر لصمود إيران خلال الحرب. فالمعادلة المطروحة تقوم على أن الضغوط العسكرية والاقتصادية لم تحقق أهدافها، وأن إيران، رغم خسائرها، حافظت على تماسكها الداخلي ومنعت انهيار بنيتها السياسية والعسكرية، وهو ما يُقدَّم باعتباره “إفشالًا للمخطط الأمريكي”.

ومن هذا المنظور، يصبح أي اتفاق لاحق نتيجة طبيعية لتوازن جديد فرضته طهران، لا نتيجة ضغط عسكري. بل إن مجرد دخول واشنطن في مفاوضات بشروط جديدة يُقدَّم في هذا الخطاب كإشارة إلى إعادة تشكيل قواعد الاشتباك، واعتراف ضمني بقدرة إيران على الصمود.

لكن أهمية هذا الخطاب لا تقتصر على الملف الإيراني وحده، بل تتجاوزه إلى بناء نمط تفسيري أوسع يمكن إسقاطه على ساحات صراع أخرى. فالفكرة المركزية تقوم على أن “الصمود الطويل” أصبح بديلًا عن “الحسم السريع”، وأن الحروب الحديثة تُدار بمنطق الاستنزاف والتفاوض، لا بمنطق الانتصار الكامل والهزيمة المطلقة.

ومن هنا، يُستخدم المثال الإيراني كمرآة غير مباشرة للحرب في أوكرانيا: فكما يُقدَّم الصمود الإيراني كعامل دفع نحو التفاوض، يُلمَّح إلى أن صمود أوكرانيا قد يقود بدوره إلى مسار مشابه، ينتهي بتسوية لا تحقق انتصارًا مطلقًا لأي طرف، بل مكاسب جزئية مرتبطة بميزان القوى على الأرض.

خلف السردية: قسوة المشهد الحقيقي

لكن خلف هذا البناء الإعلامي، يظهر درس أكثر تعقيدًا: أن الدول لا تتحرك دائمًا وفق حسابات عقلانية بحتة. فقرارات الحرب قد تُصاغ أحيانًا تحت تأثير اعتبارات أيديولوجية أو تصورات سياسية متطرفة، تجعل المواجهة ممكنة حتى عندما تبدو كلفتها غير منطقية.

وفي قلب هذا الصراع، فرضت التكنولوجيا نفسها كعنصر حاسم. فالضربات الجوية بعيدة المدى لم تعد تحتاج إلى وجود بري واسع لتغيير البنية الاقتصادية والصناعية للدول المستهدفة، إذ تكفي المعلومات الدقيقة لتوجيه ضربات تعطل قطاعات كاملة دون احتلال الأرض.

لكن المفارقة أن هذا التفوق التقني لم يتحول إلى حسم سياسي واضح. وهنا يبرز عنصر آخر: الاستخبارات والمعلومة أصبحتا أكثر أهمية من القوة النارية نفسها، لأن امتلاك السلاح دون معرفة دقيقة بالأهداف يحد من فعاليته.

بين السماء والبحر: حدود السردية

في المجال الجوي، تعيد هذه الحرب فتح النقاش حول فعالية أنظمة الدفاع الجوي التقليدية، في ظل تصاعد دور الطائرات المتقدمة وأنظمة التشويش الإلكتروني، ما جعل معادلات الرصد والاستهداف أكثر تعقيدًا.

أما في البحر، فقد أظهر الصراع وجهًا مختلفًا: السفن الحديثة قادرة على مواجهة تهديدات غير تقليدية، لكن السيطرة الفعلية على الممرات البحرية تبقى مرتبطة بحجم الانتشار والاستمرارية، لا بالتفوق التقني وحده.

في النهاية، تعود الرواية إلى فكرتها المركزية: إيران، بعد الضربة الأولى، لم تنكفئ بل اختارت مسارًا هجوميًا محسوبًا، استهدفت من خلاله نقاط ضغط الخصم المباشرة وغير المباشرة، بما في ذلك الحلفاء والأسواق العالمية للطاقة.

ولم يكن الهدف، وفق هذا التصور، تحقيق نصر شامل، بل منع الخصم من فرض حسم كامل.

وفي هذا النوع من الحروب، يصبح الصمود نفسه شكلًا من أشكال الفعل السياسي، حتى إن لم يتحول إلى تفوق كامل. فالصمود لا يعني الانتصار، لكنه يعني كسر فكرة أن التفوق وحده كافٍ لإنهاء الصراع.

https://hura7.com/?p=80878

الأكثر قراءة