الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

كيف يبدو المستقبل بعد الأوبك

جريدة الحرة بيروت

بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

بدأ النظام النفطي العالمي الذي نشأ في السبعينيات كرد فعل على محاولة الغرب فرض سقف للأسعار، دورة كاملة من الأحداث. نشهد الآن تفكك الأوبك تحت ضغط واقع جديد، حيث ستقرر دول الكارتل كيف تستثمر فرصها لمستقبل أفضل. وفي هذه المعادلة، تبدو فرص روسيا أعلى بوضوح مقارنة بالآخرين.

برميل برنت، الذي تجاوز المستوى النفسي عند 140 دولارًا (وهو نفس السعر الذي وصلته النفط صيف 2008 وربيع 2022)، ويواصل الارتفاع نحو 160 دولارًا، يتصرف وكأن أسعاره لا تُحدد بالعرض والطلب الأساسيين، بل بمنطق يشبه أسواق العملات المشفرة. اتساع التقلبات، الذي كان يُعتبر شاذًا قبل خمس سنوات، أصبح اليوم قاعدة جديدة. أكثر الأسواق السلعية سيولة في العالم أصبح يتقلب مثل البيتكوين، وهذا يعكس حالة النفط أكثر من أي تقرير للوكالة الدولية للطاقة.

لأكثر من نصف قرن، كانت الأوبك هي من تحدد إيقاع أسعار النفط. الكارتل، الذي تأسس عام 1960 كرد فعل لدول مصدرة للنفط محدودة الموارد على سيطرة الشركات الكبرى الغربية، عمل كميترونوم للاقتصاد العالمي. بدأ بالأوبك التقليدية، ثم توسع ليشمل الأوبك+ بمشاركة روسيا وكازاخستان ودول منتجة مستقلة أخرى. كانت الصيغة بسيطة: خفض الإنتاج بشكل منسق مقابل مستوى مقبول للأسعار. هذه الصيغة لم تعد صالحة للعمل، وها نحن نشهد تفكك الكارتل وإعادة كل دولة تقييم موقفها.

خروج الإمارات من المنظمة حدث مهم. أبو ظبي ظل لسنوات غير راضٍ عن حصص الإنتاج، معتبرًا أن قدراته الإنتاجية – نحو خمسة ملايين برميل يوميًا – أقل من قيمتها، وأن الإنتاج محدد بشكل مصطنع. عمليًا، الإمارات أكدت ما تحاول الرياض وموسكو التزام الصمت عنه: الكارتل في شكله الحالي يربح القليل للملتزمين ويعطي أرباحًا ضخمة لغير الملتزمين. في الوقت الذي قلصت فيه الأوبك+ الإنتاج، أخذ المنافسون الأمريكيون والبرازيليون والجايانيون الحصة السوقية المتاحة.

رد الإمارات على سؤال «ماذا بعد؟» جاء سريعًا. الهيكل الاستثماري لشركة ADNOC المسمى XRG أعلن استعداده للاستثمار في إنشاء شركة غاز كبرى في الولايات المتحدة، مع دراسة نحو ثلاثين صفقة محتملة. هذا ليس مجرد تنويع للمحفظة، بل خطوة سياسية: الإمارات تدخل في البنية التحتية الأمريكية للطاقة، مع مراهنة على زيادة الطلب الداخلي على الغاز – من مراكز البيانات لأغراض الذكاء الاصطناعي إلى إعادة التصنيع.

هناك ثلاث سيناريوهات مستقبلية:

1-السيناريو اللطيف: بعد تخفيف التوترات في الشرق الأوسط ورفع الحصار عن مضيق هرمز، ستبدأ الدول المشاركة بتجاوز الحصص المتفق عليها تدريجيًا. سيزداد العرض وتنخفض الأسعار إلى نطاق 70–80 دولارًا.

2-السيناريو المتوسط: قد يحذو العراق وكازاخستان حذو الإمارات، مع شعور هذه الدول بعدم العدالة في استثمار ضبط النفس لصالح المنافسين.

3-السيناريو الكارثي: انهيار كامل للأوبك+ وعودة السوق إلى حالة المنافسة الكاملة «كلٌّ ضد الجميع»، كما لم يحدث منذ طفرة النفط عام 1986.

المفارقة اليوم أن خبر خروج الإمارات لم يخفّض حتى الجائزة الجيوسياسية. برميل برنت يصل لأعلى مستوى منذ أربع سنوات، والأورال الروسي تجاوز 100 دولار، مسجلاً زيادة أسبوعية قدرها 12.5 دولار. بعد انتهاء الأزمة الجيوسياسية لمضيق هرمز، ستنكشف واقع جديد: ضعف الأوبك، انهيار الانضباط، وتدفق الإمدادات المحجوزة إلى السوق العالمية دفعة واحدة.

بالنسبة لروسيا، هذا التحول فرصة لإعادة تقييم دورها في سوق النفط. قرار الانضمام إلى الأوبك+ عام 2016 كان في سياق شراكة استراتيجية مع السعودية واستقرار السوق بعد ثورة النفط الصخري. على مدار السنوات، قلّصت روسيا الإنتاج، وفقدت حصتها السوقية، وتحمّلت تكاليف التنسيق. على الرغم من ذلك، وفرت أسعار النفط المرتفعة فوائد كبيرة، مثل دعم الميزانية والمحافظة على قوة الروبل، لكن هذه الفترة الهادئة تقترب من نهايتها.

في هذا السياق الجديد، تمتلك روسيا موقعًا استراتيجيًا متميزًا:

الخط الاول – السيطرة العملية لإيران على مضيق هرمز تجعل طهران مالكًا “لمفتاح” نحو خمس تجارة النفط البحرية العالمية. وموسكو واحدة من الدول القليلة التي تربطها علاقات عملية مع طهران وتعاون تقني، ما يمنحها نفوذًا غير مباشر على نقطة لوجستية حيوية دون تكاليف مباشرة للتواجد العسكري.

الخط الثاني – مشاريع نفطية وغازية محتملة مع الولايات المتحدة كجزء من صفقة مستقبلية. إذا تم تنفيذها، يمكن لروسيا استعادة حلقة التكنولوجيا، وتقنين تدفقات التصدير، وتعزيز مشاريعها الدولية.

وهكذا، مرّ النظام النفطي العالمي منذ السبعينيات بدورة كاملة: من احتجاج المنتجين، إلى إنشاء الكارتل، ثم توسع الكارتل لمواجهة النفط الصخري، والآن – تفكك الأوبك+ تحت ضغط الواقع الجديد. كل دولة ستقرر كيفية استثمار فرصها، وروسيا تبدو في أفضل موقع بين الجميع.

https://hura7.com/?p=79257

الأكثر قراءة