الثلاثاء, فبراير 17, 2026
18 C
Beirut

الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

كيف يُقسّم الاتحاد الأوروبي الأصول الروسية؟

جريدة الحرة ـ بيروت

بقلم : د. خالد العزي  مدونة د. خالد العزي

يعد موضوع الأصول الروسية المجمدة من القضايا الشائكة التي باتت تمثل نقطة تحول في العلاقة بين الاتحاد الأوروبي وروسيا. في الأسابيع الأخيرة، جرت محادثات بين قادة كبار من الاتحاد الأوروبي حول كيفية التعامل مع هذه الأموال المجمدة، وهو ما يفتح بابًا لفهم جديد لمسار العلاقات الاقتصادية في المستقبل بين الجانبين.

بداية الأزمة وعواقبها

في الأسبوع الماضي، حدثت مجموعة من المواقف التي بدت غير مرتبطة في ظاهرها، لكنها في الحقيقة تندرج ضمن نفس السياق السياسي. المستشار الألماني فريدريش ميرز، ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون اتفقوا على موقف مُنسّق بشأن استخدام الأصول الروسية المجمدة. هذه المحادثات تمت بالتوازي مع مقابلة المستشارة السابقة أنجيلا ميركل، التي عبرت عن رأيها بأن غياب الوحدة بين دول الاتحاد الأوروبي كان السبب الرئيسي في اندلاع الصراع الروسي الأوكراني. بحسب ميركل، لو كان الاتحاد الأوروبي قد اتخذ موقفًا موحدًا تجاه روسيا قبل سنوات، لكان من الممكن تجنب هذا الصراع.

ميركل والمسؤولية عن العلاقات الروسية الأوروبية

كانت ميركل قد حاولت، على مدار سنوات، تحسين العلاقات الاقتصادية بين الاتحاد الأوروبي وروسيا، على الرغم من التباين السياسي الكبير بين النظامين. سياسة ميركل اعتمدت على فكرة أن الاتحاد الأوروبي يجب أن يربط روسيا اقتصاديًا لتفادي التصعيد العسكري. وعلى الرغم من الانتقادات التي وجهت إليها، خصوصًا من دول البلطيق مثل بولندا ولاتفيا وإستونيا، التي اعتبرت أن سياسة “التهدئة” مع روسيا كانت خطأ تاريخيًا، إلا أن هذه السياسة نجحت في تحقيق سنوات من السلام والازدهار النسبي في أوروبا.

لقد أثبتت فترة حكم ميركل أنها من أفضل الفترات في تاريخ الاتحاد الأوروبي، حيث تمكن الاتحاد من بناء علاقات اقتصادية مستدامة مع روسيا، وهو ما ساعد على استقرار المنطقة رغم التحديات. ولكن، كما هو الحال في السياسة الدولية، لا تدوم الأمور على حالها. وبالتالي، ومع استمرار الحرب الروسية الأوكرانية، بدأ القادة الأوروبيون في التفكير في واقع ما بعد الصراع.

مصير الأصول الروسية المجمدة

في الوقت الحالي، يشكل مصير الأصول الروسية المجمدة أكثر من 200 مليار يورو، والتي تشمل أموالًا محجوزة من البنك المركزي الروسي وأموالًا تخص أفرادًا روسيين، نقطة جدل كبيرة في الاتحاد الأوروبي. منذ بداية عام 2022، بدأ الاتحاد الأوروبي في مناقشة كيفية استخدام هذه الأموال. المقترح الأول كان تحويل عائدات الأصول المجمدة إلى أوكرانيا، وهو ما أثار جدلاً واسعًا حول ما إذا كان ذلك يمثل حلًا طويل الأمد أو مجرد خطوة مؤقتة.

الاقتراح الأكثر تداولًا هو تحويل الأموال إلى قروض تُستخدم لتسليح القوات الأوكرانية، على أن تُسترد هذه القروض من روسيا في مرحلة لاحقة. ومع ذلك، يظل هذا الطرح مشوبًا بالكثير من التساؤلات حول كيفية تنفيذ هذا التصور، خصوصًا إذا كانت روسيا سترفض تمامًا دفع هذه المبالغ بعد انتهاء النزاع.

التحديات الاقتصادية والسياسية

من التحديات الكبرى التي تواجه بروكسل في تطبيق هذه الخطة هو إيجاد ضمانات لتسديد القرض البالغ 200 مليار يورو. مع ارتفاع الإنفاق الدفاعي والمساعدات لأوكرانيا في ظل الأزمة، سيكون من الصعب على العديد من دول الاتحاد الأوروبي أن تتحمل عبء الضمانات المالية وحدها. هذا الأمر دفع المستشار الألماني ميرز إلى نشر مقال في صحيفة “فاينانشال تايمز”، حيث اقترح أن يكون الاتحاد الأوروبي ككل هو الضامن للقرض، وهو ما يفتح الباب أمام مزيد من الخلافات بين الدول الأعضاء.

من جانبها، رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، اقترحت بديلًا آخر يقضي بتحديد دول معينة كضامنة للقرض، لتجنب تحميل الاتحاد ككل هذه المسؤولية. رغم ذلك، تبقى المسألة غير واضحة، والتفاصيل النهائية حول كيفية تنفيذ هذه الخطة قد تأخذ وقتًا طويلًا لتتضح.

الموقف الأوروبي التقليدي من روسيا

لطالما اعتمد الموقف الأوروبي التقليدي تجاه روسيا على فكرة التعاون الاقتصادي وإقامة علاقات مبنية على الثقة المتبادلة والمصالح المشتركة. الاتحاد الأوروبي، تحت قيادة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بشكل خاص، سعى إلى دمج روسيا في النظام الاقتصادي الأوروبي، معتبرًا أن هذا التعاون سيكون ضمانًا للسلام والاستقرار في المنطقة. كان الهدف هو بناء روابط اقتصادية قوية بين الجانبين، ما يُسهم في تهدئة التوترات السياسية وتجنب التصعيد العسكري.

كان هذا الموقف يرتكز على فرضية أن التعاون الاقتصادي سيخلق بيئة من الاعتماد المتبادل بين روسيا ودول الاتحاد الأوروبي، مما يقلل من فرص نشوب الصراعات. في هذه الفترة، كانت أوروبا تأمل أن تتمكن من تحفيز روسيا على تبني سياسات أكثر انفتاحًا وديمقراطية من خلال هذه العلاقات الاقتصادية، على الرغم من الاختلافات الجذرية في النظامين السياسيين. ورغم بعض الانتقادات من دول أوروبا الشرقية مثل بولندا ودول البلطيق، فإن الغالبية العظمى من دول الاتحاد كانت ترى في روسيا شريكًا اقتصاديًا مهمًا، بل إن بعض الحكومات الأوروبية اعتبرت أن أي تصعيد ضد روسيا سيكون بمثابة تهديد لمصالح الاتحاد الأوروبي الاقتصادية.

ومع ذلك، كانت روسيا دائمًا تسعى إلى استغلال هذه الفرص لصالحها، حيث تكرر استخدام التكتيكات التي تتناقض مع مواقف أوروبا من حقوق الإنسان والديمقراطية. هذا التناقض بين المصالح الاقتصادية والسياسية هو ما أدى إلى صعوبة تحقيق التوازن في العلاقة بين الطرفين، ما جعل الموقف الأوروبي من روسيا أكثر تعقيدًا مع مرور الوقت.

الاتحاد الأوروبي وروسيا: محاولة بناء علاقات اقتصادية في مواجهة الممارسات العدوانية

بالرغم من أن أوروبا بذلت جهودًا كبيرة لبناء مسار جديد مع روسيا يعتمد بشكل أساسي على الثقة والمصالح الاقتصادية المشتركة، إلا أن روسيا كانت دائمًا تسعى لاستغلال الفرص والانقلاب على هذه الجهود، وهو ما أدى إلى سلسلة من الأزمات. خلال السنوات الماضية، كان التدخل الروسي في أوكرانيا بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، ودفع الاتحاد الأوروبي إلى رفض الممارسات الروسية بشكل قاطع.

على الرغم من أن العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وروسيا شهدت فترات من التعاون، خصوصًا في المجال الاقتصادي، إلا أن روسيا لم تتردد في تجاوز العديد من الخطوط الحمراء، سواء من خلال دعم الأنظمة الاستبدادية في دول الجوار أو عبر تدخلاتها العسكرية في مناطق مثل جورجيا عام 2008 وأوكرانيا في 2014. هذه التصرفات أثارت شكوكًا عميقة لدى الأوروبيين، الذين بدأوا يشككون في نوايا روسيا الحقيقية تجاه التعاون طويل الأمد.

لكن الصراع الأوكراني كان هو الذي غير المشهد تمامًا. عندما اجتاحت روسيا أوكرانيا في فبراير 2022، تم كشف الوجه الحقيقي للممارسات الروسية في السياسة الدولية. بالنسبة للاتحاد الأوروبي، كانت هذه الحرب بمثابة إعلان عن نهاية مرحلة “التهدئة” التي سعى لها قادة أوروبا مثل أنجيلا ميركل، التي كانت ترى في العلاقة مع روسيا أداة للاستقرار الاقتصادي. الحرب في أوكرانيا دفعت أوروبا إلى إعادة تقييم سياستها تجاه روسيا، وبدأت في فرض عقوبات صارمة على موسكو، وهو ما تسبب في توترات شديدة.

إن أوروبا، التي كانت تأمل في بناء علاقات اقتصادية مستدامة مع روسيا على أساس من التعاون المشترك، وجدت نفسها في مواجهة تهديدات وجودية مع تصاعد الأزمة. روسيا، التي كانت تستفيد من العائدات الاقتصادية التي يوفرها الاتحاد الأوروبي، كانت تحاول في ذات الوقت استغلال الوضع لتحقيق مصالحها الاستراتيجية على حساب الجيران الأوروبيين. الحرب في أوكرانيا لم تكن مجرد نزاع إقليمي، بل كانت نقطة فاصلة جعلت الاتحاد الأوروبي يدرك أن نهج التعاون مع روسيا كان خاطئًا وأنه كان يجب التعامل مع موسكو بحذر أكبر منذ البداية.

ومع تصاعد العقوبات الأوروبية على روسيا والضغط الدولي المتزايد، أصبحت العلاقات بين الجانبين أكثر برودة وتعقيدًا. الآن، ومع استمرار الحرب في أوكرانيا، يواجه الاتحاد الأوروبي تحديًا كبيرًا في كيفية إعادة بناء علاقاته مع روسيا في المستقبل، خاصة في ظل تزايد الانقسامات داخل الاتحاد بشأن كيفية استخدام الأصول الروسية المجمدة لتحقيق أهداف استراتيجية.

كما يبدو أن الاتحاد الأوروبي بات أمام مفترق طرق تاريخي يتعلق بكيفية التعامل مع الأصول الروسية المجمدة. إذا كانت هذه الأصول هي الجسر الذي سيسمح بعودة العلاقات الاقتصادية بين روسيا والاتحاد الأوروبي، فإن ذلك يتطلب تنسيقًا دقيقًا وتفاوضًا طويلًا قد يمتد لسنوات. في الوقت نفسه، لا يزال الغموض يحيط بكيفية التوصل إلى حل يرضي جميع الأطراف، خصوصًا في ظل الانقسامات الكبيرة بين الدول الأعضاء في الاتحاد. مع ذلك، يبقى الأمل في أن يتمكن الاتحاد الأوروبي من بناء سياسة موحدة تضمن استقرارًا طويل الأمد في العلاقات مع روسيا، خاصة إذا أُخذت دروس الماضي بعين الاعتبار.

https://hura7.com/?p=73569

الأكثر قراءة