جريدة الحرة بيروت
بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

في يوم الاستقلال الأوكراني، بدت كييف وكأنها تحاول أن ترسل رسالة مزدوجة إلى العالم: أوكرانيا ما زالت واقفة، وحلفاؤها ما زالوا إلى جانبها، رغم استمرار الحرب وتزايد المخاوف من الهجمات الروسية. ولهذا، لم يكن اختيار العاصمة الأوكرانية لاستضافة اجتماعات دولية كبرى في 24 أغسطس مجرد مناسبة بروتوكولية، بل حمل في حد ذاته دلالة سياسية وأمنية واضحة.
روسيا منزعجة جدًا من اجتماع “تحالف الراغبين”، الذي حُدد موعده في يوم الاستقلال الأوكراني عن الاتحاد السوفياتي، حيث جاء الرؤساء والقادة إلى كييف للاجتماع بالرئيس الأوكراني وتقديم المساعدات التي تسهّل الصمود الأوكراني في مواجهة روسيا، ما جعل هذه الخطوة تشكل حالة من الصدمة بالنسبة إلى موسكو.
اجتماع كييف لدول الراغبين
في كييف، اجتمع ممثلو «تحالف الراغبين»، إلى جانب قمة دول الشمال والبلطيق الثماني، في مشهد أرادت منه السلطات الأوكرانية أن يعكس استمرار الدعم الغربي لها. فمنذ اندلاع الحرب عام 2022، تحولت مناسبة عيد الاستقلال الأوكراني إلى موعد تتجه فيه أنظار العواصم الغربية إلى كييف، حيث يلتقي القادة والمسؤولون الأجانب في العاصمة الواقعة تحت تهديد الصواريخ والطائرات المسيّرة الروسية.
الزيارة الأولى لرئيس وزراء بريطانيا إلى الخارج
هذا العام، اكتسب الاجتماع أهمية إضافية مع وصول رئيس الوزراء البريطاني آندي بورنهام إلى كييف في أول زيارة خارجية له منذ توليه منصبه في يوليو. وكان من المتوقع أن يحمل معه رسالة سياسية قوية و«هدية» عسكرية لأوكرانيا، وهو ما حدث بالفعل.
أعلن بورنهام أن بريطانيا سمحت لشركة MBDA بمشاركة البيانات السرية والتقنيات اللازمة مع الجانب الأوكراني، بما يمهد لإنتاج صواريخ Storm Shadow، المعروفة في فرنسا باسم SCALP، داخل الأراضي الأوكرانية. وتُعد هذه الصواريخ من الأسلحة بعيدة المدى المصممة لضرب أهداف محصنة وعالية القيمة على مسافات تصل إلى مئات الكيلومترات.
بالنسبة إلى كييف، لا يتعلق الأمر بمجرد الحصول على دفعة جديدة من الصواريخ، بل بامتلاك القدرة على إنتاج هذا النوع من الأسلحة محليًا. وإذا نجحت الخطة في الوصول إلى مرحلة الإنتاج الفعلي، فإنها ستمنح أوكرانيا هامشًا أكبر من الاستقلال في مجال الصواريخ بعيدة المدى، وتخفف جزئيًا من اعتمادها على الإمدادات الغربية المباشرة.
عملية تصنيع مشتركة للصواريخ بعيدة المدى
وكان من المتوقع أن تدخل الصواريخ الأولى المنتجة في أوكرانيا الخدمة قبل نهاية العام. لذلك، استقبل الرئيس فولوديمير زيلينسكي الإعلان بترحيب واضح، وكرّم رئيس الوزراء البريطاني بجائزة “امتنان الشعب الأوكراني”، وهي جائزة أراد من خلالها الإشادة ببريطانيا وشعبها على دعمهم لأوكرانيا.
لكن الهدية البريطانية لم تمر من دون رد روسي. فقد اعتبر المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف أن الخطوة تصب الزيت على نار الحرب. ورد بورنهام بسؤال بدا بالنسبة إليه ولجمهوره بديهيًا: من أشعل هذه النار أصلًا؟ وهكذا تحول الإعلان العسكري سريعًا إلى سجال سياسي يعكس عمق الهوة بين موسكو والعواصم الغربية.
ومع ذلك، لم يكن إنتاج صواريخ Storm Shadow هو القضية الأمنية الوحيدة التي تشغل زيلينسكي. فالرئيس الأوكراني يواصل الضغط على حلفائه للحصول على المزيد من أنظمة الدفاع الجوي، ولا سيما الأنظمة القادرة على مواجهة الصواريخ الباليستية الروسية.
الصواريخ تقلب الطاولة على روسيا
ويرى زيلينسكي أن هذه النقطة تمثل إحدى أكثر حلقات الدفاع الأوكراني ضعفًا. فالصواريخ الباليستية قادرة على الوصول بسرعة كبيرة إلى أهدافها، كما أن ضرباتها يمكن أن تلحق أضرارًا بالغة بالبنية التحتية والمنشآت الحيوية، بما في ذلك منشآت الطاقة. ومع اقتراب الشتاء، تصبح حماية هذه المنشآت مسألة أكثر إلحاحًا بالنسبة إلى كييف.
ولهذا، تعوّل أوكرانيا على منظومات باتريوت الأمريكية، رغم أن إنتاج الصواريخ الخاصة بها لا يزال يواجه قيودًا كبيرة، وعلى المنظومة الأوروبية SAMP/T الفرنسية-الإيطالية. وكانت كييف قد تخلت عن فكرة إنتاج صواريخ باتريوت داخل أوكرانيا، بعدما تبين أن بناء القدرة الصناعية المطلوبة سيستغرق سنوات، بينما تحتاج أوكرانيا إلى هذه الصواريخ في أقرب وقت ممكن.
الصواريخ باتت ضرورية لحماية خطوط الدفاع الأوروبية
وفي هذا السياق، تعول كييف على الحصول على أنظمة SAMP/T خلال الخريف، وهو ما أكده الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال مشاركته في اجتماع «تحالف الراغبين» عبر تقنية الفيديو.
لكن المشهد السياسي في يوم الاستقلال حمل إشارة أخرى لا تقل أهمية عن الصواريخ. فقد غاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن الاحتفال واللقاء في كييف، كما لم يوجّه تهنئة شخصية إلى زيلينسكي أو إلى الشعب الأوكراني. وبدلًا منه، تولى وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إرسال رسالة مقتضبة أكد فيها التزام واشنطن بسيادة أوكرانيا، ودعمها التوصل إلى حل للنزاع مع روسيا من خلال المفاوضات.
وكانت الرسالة الأمريكية مختلفة في نبرتها عن الخطاب البريطاني. فبينما تحدث بورنهام عن استمرار الدعم وعدم التراجع حتى تحقيق «سلام عادل ودائم»، ركزت واشنطن على المفاوضات وجهود السلام، في إشارة إلى أن إدارة ترامب تضع مسار التفاوض في مقدمة أولوياتها.
الاجتماع في يوم الاستقلال بدد أحلام روسيا
أما في كييف، فقد حاول زيلينسكي أن يستثمر كل ما حمله يوم الاستقلال من رسائل سياسية. تلقى تهاني من قادة دول مختلفة، من بينهم الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو والرئيس الأذربيجاني إلهام علييف، في حين جاءت الرسالة الأمريكية عبر روبيو.
وهكذا انتهى يوم الاستقلال الأوكراني بمشهد يعكس التناقضات التي تحيط بالحرب. فمن جهة، يقف حلفاء أوروبيون إلى جانب كييف، ويمنحونها تقنيات عسكرية متقدمة ووعودًا بمزيد من أنظمة الدفاع الجوي. ومن جهة أخرى، تدفع واشنطن باتجاه مسار تفاوضي لإنهاء الحرب.
أما “تحالف الراغبين”، من وجهة نظر روسيا، فلم يحمل في حد ذاته قرارًا قادرًا على قلب موازين الحرب بصورة فورية. غير أن أهميته تكمن في استمراره، وفي اجتماع قادته ومسؤوليه داخل كييف نفسها، وفي الرسالة التي أراد المشاركون إيصالها إلى موسكو: أن أوكرانيا لا تزال تحظى بدعم سياسي وعسكري من مجموعة واسعة من الدول.
وفي النهاية، ربما كانت الصورة الأوضح لذلك اليوم هي اجتماع الحلفاء في عاصمة لا تزال تعيش تحت تهديد الصواريخ. فوجودهم هناك لم يكن مجرد تضامن رمزي؛ كان أيضًا رسالة ردع مؤقتة، مفادها أن ضرب كييف في أثناء اجتماع كبار حلفائها قد يحمل تكلفة سياسية غير محسوبة.
وبينما احتفلت أوكرانيا باستقلالها، كانت الحرب مستمرة، وكانت الصواريخ التي وعد بها حلفاؤها تمثل محاولة لتحويل هذا الاحتفال من مجرد مناسبة وطنية إلى إعلان عن مرحلة جديدة: مرحلة تسعى فيها كييف ليس فقط إلى تلقي السلاح، بل إلى امتلاك القدرة على إنتاجه بنفسها.


