جريدة الحرة بيروت

بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي
كان الجميع يأمل في التوصل إلى اتفاق بين الدول المتحاربة (أمريكا، إيران، وإسرائيل)، وكان هناك أمل أن يكون لبنان جزءًا من هذا الاتفاق، بحيث يُربط مباشرةً كأداة في يد طهران. لكن المفاجأة كانت أن لبنان لم يكن ضمن هذا الاتفاق، بل كان على موعد مع فاجعة جديدة ضربت عاصمته والعديد من مناطقه، ليعيش واحدة من أصعب فتراته في تاريخه المعاصر. في 8 أبريل 2026، تعرضت العاصمة بيروت وضواحيها لعدة غارات إسرائيلية مدمرة، بلغت 120 غارة نفذتها 50 طائرة حربية في عشر دقائق، مما قلب الطاولة رأسًا على عقب. جاء ذلك في وقت حساس، بعد أن قررت إسرائيل فصل نفسها عن الملف اللبناني في المفاوضات الأمريكية الإيرانية، التي كان من المفترض أن تُجرى في باكستان بتاريخ 10-11 أبريل الحالي. هذا القرار مثّل الشرارة التي غيّرت مسار الأحداث، إذ كان حزب الله وحلفاؤه قد أعدوا أنفسهم للاحتفال بما اعتبروه نصرًا، محاولين تغيير المعادلة العسكرية والسياسية لصالحهم في لبنان. لكن المفاجأة كانت في شكل الضربة الإسرائيلية التي تجاوزت جميع التوقعات، مما جعل الوضع يشبه إلى حد بعيد ما حدث في ضربات البيجر من حيث حجم الخسائر التي تكبدتها المنطقة. وفي رد فعل سريع، وصف رئيس وزراء إسرائيل هذه الضربة بأنها تعادل ضربة البيجر لدى حزب الله من حيث آثارها المدمرة.
إيران بين خيارين صعبين
هذه الضربة وضعت إيران في موقف بالغ الصعوبة. فالإعلان الذي أطلقته عن “النصر” في وقتٍ سابق، والذي روج له البعض كإنجاز استراتيجي، أصبح موضع شك كبير حتى بين أنصارها. ومن خلال عدم إسناد حزب الله، الذي يُعد أحد أذرعها العسكرية في المنطقة، تظهر إيران وكأنها تخلت عن حلفائها في وقتٍ حاسم، تاركةً حزب الله وحده في مواجهة العدوان الإسرائيلي.
قد تجد إيران نفسها أمام خيارين صعبين. الأول، هو مقاطعة مفاوضات إسلام آباد والعودة إلى تصعيد الحرب، مما سيكلفها المزيد من الخسائر الاقتصادية والعسكرية. أما الخيار الثاني، فيتمثل في المضي قدمًا في المفاوضات، رغم فقدان إيران لتأثيرها في ساحة المواجهة المباشرة في لبنان. ورغم أن هذا الخيار قد يمنح إيران فرصًا لتحقيق مكاسب سياسية أو تجنب هزيمة استراتيجية، إلا أنه قد يثبت مرة أخرى أنها لا تتعامل مع حلفائها إلا كـ”ملاعق للنار”، تستخدمهم ثم تتركهم لأقدارهم في اللحظات الصعبة.
إسرائيل تطرح مبادرة جديدة: التفاوض مع لبنان
في وقتٍ لاحق، وبعد الضربة القوية، قررت إسرائيل اتخاذ خطوة مفاجئة بإعلان رغبتها في بدء مفاوضات مع لبنان. أصدرت أوامر بتشكيل وفد مفاوض من جانبها، وأعلنت استعدادها لإجراء مفاوضات، مشيرة إلى أن هذه العملية ستكون تحت رعاية الولايات المتحدة الأمريكية. وتحدد إسرائيل أن التفاوض سيتركز على نزع سلاح حزب الله، وهو أمر يشكل تحديًا كبيرًا للبنان، الذي لا يمكنه القبول بهذا المطلب دون أن يعرض أمنه الداخلي للخطر.
لبنان: تمسك بالمبادرة وحق التفاوض
من جهة أخرى، تمسك لبنان بموقفه في هذه المفاوضات، حيث أصر على مبادرة الرئيس ميشال عون التي تمنح لبنان حق التفاوض حول مسألة وقف الاعتداءات الإسرائيلية. لكن إسرائيل وضعت شروطًا قاسية، معتبرة أن أي مفاوضات يجب أن تبدأ بنزع سلاح حزب الله. وهكذا، تحولت هذه المفاوضات إلى معركة جديدة، ليست فقط من أجل وقف الاعتداءات العسكرية، بل أيضًا من أجل إعادة تشكيل ميزان القوى في لبنان والمنطقة بأكملها.
نهاية مفتوحة: أي طريق ستختار إيران؟
المرحلة القادمة ستكون حاسمة في تحديد مستقبل لبنان ومنطقة الشرق الأوسط بشكل عام. فإما أن تسعى إيران للضغط على حزب الله لمواصلة القتال بمفرده، أو تجد نفسها مضطرة للعودة إلى طاولة المفاوضات، رغم ما قد يترتب على ذلك من خسائر سياسية.
بينما ينتظر لبنان معركة سياسية وصراعات جديدة بين القوى الكبرى، سيكون من المهم أن تظل السلطة اللبنانية حريصة على مصالح الشعب اللبناني، مستفيدة من أي فرصة لتحقيق السلام والاستقرار، مع الحفاظ على وحدة أراضيها. لكن هل تستطيع الدولة اللبنانية بواسطة الجهود الدبلوماسية والعربية والإقليمية أن تمسك بزمام المبادرة وتصل إلى تفاوض مباشر ينهي قضية حكر التفاوض بيد الآخرين؟ وهل سيلتزم حزب الله بقرارات الدولة القائمة على حصرية السلاح وبسط النفوذ والانتماء إلى الحاضنة العربية كدولة موحدة؟ الأيام القادمة هي التي ستبرهن ذلك، وستكون هي المحك الحقيقي لبناء المستقبل السياسي للبنان وتحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة.


