الأكثر قراءة

لبنان أمام واقع عسكري جديد.. هل يتغير شكل المنطقة الحدودية؟

جريدة الحرة بيروت

لا يرتبط مستقبل جنوب لبنان بحجم الدمار الذي خلفته العمليات العسكرية فقط، وإنما بما يمكن أن يترتب عليه من واقع أمني وعسكري طويل الأمد. فبينما يعيش السكان آثار التدمير ويطالبون بالعودة إلى قراهم، تتواصل التحركات العسكرية الإسرائيلية في عدد من المناطق، وتبقى المفاوضات بين لبنان وإسرائيل عاجزة عن الوصول إلى اتفاق بشأن توسيع الانسحاب الإسرائيلي.

هذا التداخل بين الميدان والسياسة يطرح احتمال بقاء الجنوب في مرحلة انتقالية طويلة، حيث لا تنتهي العمليات العسكرية بصورة كاملة، ولا يبدأ في الوقت نفسه مسار واضح لإعادة الاستقرار وإعادة الإعمار. وفي مثل هذه الحالة، يصبح شكل المنطقة الحدودية مرتبطاً بالترتيبات العسكرية التي ستفرضها التطورات المقبلة.

إسرائيل والوجود طويل الأمد

يرى الخبير العسكري والاستراتيجي العميد إلياس حنا أن إسرائيل تعمل على تأسيس وجود عسكري طويل الأمد في جنوب لبنان، من خلال إعادة تشكيل المنطقة عمرانياً وديموغرافياً عبر التهجير والتدمير الواسع، إلى جانب إقامة بنية تحتية عسكرية دائمة. وبحسب حنا، تسعى إسرائيل إلى مأسسة انتشارها داخل شريط تبلغ مساحته نحو 600 كيلومتر مربع، مع تأمين المنطقة الواقعة بين “الخط الأصفر” ونهر الليطاني، بالتوازي مع مطالبة الجيش اللبناني بتثبيت الأمن فيها بصورة غير مباشرة.

ويذهب حنا إلى أن إسرائيل تعمل أيضاً على إنشاء منظومة دفاعية تمكنها من التعامل مع أي تصعيد محتمل شمال الليطاني، مع تكييف مواقعها العسكرية للتعامل مع تهديدات الطائرات المسيّرة. ووفق هذه القراءة، فإن المسألة لا تتعلق فقط ببقاء قوات إسرائيلية في نقاط محددة، وإنما ببناء ترتيبات عسكرية يمكن أن تستمر لفترة طويلة.

وهذا الاحتمال يضع مستقبل القرى الحدودية أمام تحدٍ إضافي. فإذا بقيت المنطقة ضمن نطاق عسكري شديد الحساسية، فإن إعادة السكان إليها ستكون مرتبطة بالقدرة على توفير ظروف أمنية مستقرة. أما استمرار القصف والتجريف ووجود التحصينات العسكرية، فقد يجعل بعض المناطق غير قادرة على استعادة نمط الحياة الذي كان قائماً قبل الحرب.

المفاوضات أمام الاختبار

جاءت الجولة السابعة من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل في روما في وقت كان فيه الواقع الميداني يتجه في اتجاه مختلف عن المسار السياسي. فقد انتهت المحادثات برعاية أمريكية من دون تحقيق اختراق بشأن “المناطق النموذجية”، وفق ما نقلته وكالة الصحافة الفرنسية عن مصدر في الرئاسة اللبنانية. ويرفض الجانب الإسرائيلي الانسحاب من مناطق إضافية قبل التحقق من سيطرة الجيش اللبناني بصورة كاملة على منطقتين سبق أن انسحبت منهما القوات الإسرائيلية. وهذا الشرط يربط أي انسحاب جديد بمدى قدرة الدولة اللبنانية على فرض ترتيبات أمنية مقبولة من الجانب الإسرائيلي.

المشكلة هنا أن لبنان ينظر إلى الانسحاب باعتباره خطوة ضرورية لتثبيت سيادة الدولة وفتح الطريق أمام عودة السكان، بينما تريد إسرائيل ضمانات أمنية قبل توسيع الانسحاب. وبين الموقفين تبقى المناطق الجنوبية عالقة بين ترتيبات لم تكتمل وواقع عسكري لم ينته.  كما أن استمرار عمليات التجريف والتدمير يجعل الوقت عاملاً مهماً في تحديد شكل المرحلة المقبلة. فكلما طال بقاء المناطق الحدودية في وضع غير مستقر، ازدادت صعوبة إعادة بناء المنازل والمزارع والبنية الاقتصادية، وأصبح أي واقع جديد على الأرض أكثر صعوبة في التغيير.

وتختلف هذه المرحلة، وفق قراءة حنا، عن تجربة الاحتلال الإسرائيلي السابقة التي انتهت عام 2000، لأن التأثير الحالي لا يقتصر على السيطرة العسكرية المباشرة، وإنما يشمل الإنسان والبيئة والاقتصاد. وهذا يعني أن القضية قد تتجاوز مسألة انسحاب القوات إلى سؤال أوسع يتعلق بقدرة السكان على استعادة وجودهم الطبيعي في المنطقة الحدودية. ومن هنا يصبح نجاح المفاوضات مرتبطاً بأكثر من الاتفاق على خطوط الانسحاب. المطلوب هو صيغة تسمح للجيش اللبناني بتثبيت الأمن، وتتيح للسكان العودة، وتمنع تحول القرى المدمرة إلى مناطق فارغة، وفي الوقت نفسه توفر الترتيبات التي تطالب بها إسرائيل.

إذا بقيت هذه الملفات من دون تسوية، فإن جنوب لبنان قد يدخل مرحلة طويلة من عدم الاستقرار، حيث يعيش السكان على أمل العودة، بينما تبقى المنطقة تحت تأثير الحسابات العسكرية والسياسية. أما التوصل إلى تفاهم واضح حول الانسحاب وانتشار الجيش اللبناني والترتيبات الأمنية، فقد يفتح الطريق أمام مرحلة مختلفة تسمح ببدء إعادة الإعمار واستعادة الحياة في القرى الحدودية.

السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: هل تستطيع المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية، برعاية أمريكية، منع تثبيت واقع عسكري طويل الأمد في جنوب لبنان، أم أن استمرار الخلاف حول الانسحاب سيجعل المنطقة أمام ترتيبات أمنية جديدة يصعب التراجع عنها؟

https://hura7.com/?p=82704

الأكثر قراءة