
جريدة الحرة بيروت
بقلم : علي خليل ترحيني مٌدونة الكاتب علي خليل ترحيني
تتقاطع المؤشرات الدبلوماسية والميدانية المتسارعة لتعكس تحولًا جوهريًا في الاستراتيجية الأمريكية الغربية تجاه الملف اللبناني، حيث تشير التقييمات القادمة من واشنطن وعواصم القرار إلى الانتقال من إدارة التوازنات التقليدية إلى فرض معادلات أمنية غير قابلة للتأويل. إن الاستهدافات الميدانية الأخيرة والتصعيد المتصاعد في مناطق التماس الحساسة، وفي مقدمتها التطورات التي رجحتها التقارير حول تلة علي الطاهر وأطراف النبطية الفوقا والقطاع الغربي، تُقرأ في الدوائر الغربية بوصفها اختبارًا مباشرًا لإرادة التهدئة، مما يدفع باتجاه التمسك بضمانات صارمة تحول دون قيام المقاومة بإعادة ترميم قدراتها أو تهديد الترتيبات الحدودية.
إن المحادثات المرتقبة في العاصمة الإيطالية روما تأتي لتضع التفاصيل الإجرائية لاتفاق الإطار تحت الاختبار المباشر. فالمنظور الغربي يرسم مسارًا محددًا يستند إلى مبدأ الحزم الإداري والعسكري، حيث تُصر الرؤية الأمريكية مع العدو الإسرائيلي على أن نجاح نموذج “المناطق التجريبية” ونقل المسؤوليات الأمنيّة مرهون بقدرة المؤسسات الرسمية على فرض السلطة الكاملة وتطبيق آليات التحقق الميداني بلا مواربة أو إبطاء. وتؤكد الترتيبات المعروضة أن المظلة الدولية والدعم واشنطن لن يستمران إلا في حال توفر شريك حكومي قادر على الوفاء بالتزاماته السيادية ومنع أي خطط تهدف إلى إعادة تثبيت البنى التحتية التابعة للمقاومة.
إن العواصم الغربية تنظر إلى الضغوط الميدانية المتصاعدة والاحتكاكات الأخيرة بوصفها تذكيرًا عمليًا بأن سياسة المماطلة لم تعد قابلة للاستمرار. ولا ينفصل الاستحقاق اللبناني عن المشهد الإقليمي الأوسع، حيث يتكامل الموقف الأمريكي مع حلفائه للحد من نفوذ المحاور التي تحاول تحويل الساحات المحلية إلى أوراق تفاوضية. ومن هذا المنطلق، تصبح المعادلة أكثر وضوحًا: إن تحقيق الاستقرار الدائم على الحدود يستوجب تفكيك البنى العسكرية التابعة لـ المقاومة وتثبيت ترتيبات أمنية صلبة تضمن عدم العودة إلى وضع الفراغ أو الانفلات.
السيناريوهات المستقبلية والتداعيات الاستراتيجية
تتجه التحليلات الأمنية والعسكرية الغربية نحو صياغة ثلاثة سيناريوهات رئيسية لما ستؤول إليه الأوضاع بناءً على المعطيات الميدانية والسياسية الراهنة:
▪️︎ السيناريو الأول (التثبيت المشروط عبر جولة روما): يستند هذا الخيار إلى إمكانية نجاح مفاوضات روما في توسيع نطاق “المناطق التجريبية” جنوبًا، بشرط موافقة الأطراف على الترتيبات الأمنية الآمرة وتفعيل دور أجهزة الدولة الرسمية لضبط الثغرات الميدانية في مناطق التوتر الرئيسية مثل تلة علي الطاهر والقرى الحدودية. وسينجم عن هذا المسار انحسار تدريجي للعمليات العسكرية الواسعة مقابل الرقابة المباشرة لفرض حظر التسليح.
▪️︎ السيناريو الثاني (الحسم الجوي وإعادة فرض الحصار): في حال تعثر التوافق الدبلوماسي أو تكرار الخروقات الميدانية التي تعطل اتفاق الإطار، سيتجه خيار العدو الإسرائيلي وواشنطن نحو تنفيذ عمليات عسكرية مركزة واستهداف البنى التحتية واللوجستية التابعة لـ المقاومة في مختلف المناطق اللبنانية، مما يفرض واقعًا أمنيًا صارمًا يعزل مصادر التهديد بالقوة المباشرة.
▪️︎ السيناريو الثالث (الجمود الضاغط والتصعيد المتردد): يتلخص في بقاء الوضع على حالة من السيولة، حيث تتواصل الجولات التفاوضية دون حسم نهائي، بينما تُمارَس ضغوط سياسية واقتصادية وأمنية متصاعدة لدفعه نحو تقديم تنازلات جوهرية تفضي في النهاية إلى تطبيق نموذج أمني دائم يستجيب للمتطلبات الإقليمية والدولية.
تتكامل هذه الاستنتاجات لتؤكد أن المرحلة القادمة ستكون حاسمة في فرض بيئة أمنية جديدة تنتهي فيها خيارات المناورة السياسية، وتتغلب فيها متطلبات الأمن الإقليمي والاستقرار المستدام على أي حسابات محلية.


