
جريدة الحرة بيروت
بقلم علي خليل ترحيني مدونة الكاتب علي خليل ترحيني
تقتضي القراءة الرصينة للمشهد اللبناني في مداه المنظور تجاوز المقاربات التقليدية التي تقف عند حدود التوصيف، لتنحو باتجاه تفكيك البنى السياسية لتفاعلات الكيان مع المتغيرات العاصفة. إننا أمام لحظة تاريخية تتسم بالتحول الاستراتيجي، حيث تعيد القوى المؤثرة صياغة أدوارها في ظل واقع دستوري جديد اكتملت معالمه بانتخاب الرئيس جوزيف عون وتشكيل حكومة الإنقاذ برئاسة نواف سلام. يبرز لبنان اليوم كحالة اختبارية لقدرة مؤسسات الدولة على استعادة المبادرة وتثبيت مرجعية الدستور، بعيداً عن منطق التجاذبات التي عطلت مسارات النهوض لعقود طويلة.
تتجلى الإشكالية الراهنة في كيفية إدارة المرحلة الفاصلة عن انتخابات أيار 2026، حيث تقع على عاتق حكومة نواف سلام مسؤولية مزدوجة؛ تتمثل الأولى في الإشراف على نزاهة العملية الانتخابية وتطوير آليات التمثيل، والثانية في استكمال خطة التعافي الاقتصادي والمالي بالتعاون مع المجتمع الدولي. إن الحديث عما يسمى بخطط الصمود يجب أن يُقرأ الآن في سياق البحث عن دور وطني يحمي الكيان من الأطماع الخارجية، ويدعم توجه العهد الجديد نحو حصر السلاح بيد الدولة وتعزيز دور الجيش اللبناني كقوة وحيدة مسؤولة عن الأمن القومي، خصوصاً في ظل استكمال مراحل حصر السلاح وتثبيت السيادة على كامل التراب الوطني.
على الصعيد الاقتصادي، يواجه لبنان تحت إدارة الحكومة الحالية تحدي السيادة المالية واستعادة ثقة المستثمرين. إن السعي نحو تنفيذ الإصلاحات الهيكلية التي يطالب بها صندوق النقد الدولي، مع الحفاظ على التوازن الاجتماعي، هو التوجه الذي تفرضه مقتضيات المرحلة. إن بناء اقتصاد صلب يعتمد على الإنتاج وتفعيل المرافق العامة من مطارات وموانئ، هو السبيل الوحيد لكسر طوق التبعية وتأمين الاستقرار المعيشي. ومع ذلك، فإن هذا المسار يتطلب تناغماً كاملاً بين رئاسة الجمهورية والحكومة لضمان تنفيذ القوانين الإصلاحية واستقلالية القضاء، بما يؤسس لإطار مؤسساتي موحد يحمي حقوق المواطنين ويصون مقدرات الدولة من الهدر والفساد.
وفيما يخص الاستحقاق النيابي المرتقب في أيار القادم، فإن الانتخابات ستمثل محطة مفصلية لتثبيت دعائم العهد الجديد وتعزيز التوازن الوطني. إن حكومة نواف سلام، بصفتها المشرفة على هذا الاستحقاق، مدعوة لضمان بيئة سياسية تسمح بتداول السلطة وفق معايير الشفافية، مما يمنع انزلاق البلاد نحو أحادية القرار. ستكون هذه الانتخابات بمثابة استفتاء شعبي على التوجهات السيادية التي يقودها الرئيس جوزيف عون، وستحدد نتائجها قدرة القوى السياسية على بناء تحالفات وطنية عريضة تدعم استمرارية الإصلاح وتفعيل المؤسسات العسكرية والأمنية في مواجهة التهديدات الخارجية والتقنية المتزايدة.
أما الملفات الشائكة مثل قضية النزوح السوري، فإن المعالجة السياسية في ظل الإدارة الحالية تقتضي التنسيق الوثيق لضمان العودة الكريمة والآمنة، بعيداً عن الاستثمار السياسي لهذا الملف. إن العودة هي مطلب وطني جامع لرفع الأعباء عن كاهل الدولة، وتفرغ المؤسسات الأمنية لحماية الحدود وتطبيق القرارات الدولية. إن الحل يكمن في رؤية وطنية موحدة تزاوج بين الواقعية السياسية والموجبات السيادية، لضمان استقرار النسيج المجتمعي وتخفيف الضغوط الديموغرافية التي هددت التوازن اللبناني لسنوات.
إن ملامح المرحلة القادمة ترتسم من خلال القدرة على بناء توافقات وطنية لا تقوم على المحاصصة، بل على رؤية مشتركة لبناء الدولة القوية. إن التعددية اللبنانية، تحت مظلة العهد الجديد، هي مصدر قوة إذا ما أُديرت بروح التفاهم والتنسيق. إن القوى السياسية مدعوة اليوم لدعم مسار الدولة، وتغليب لغة الحوار كخيار استراتيجي وحيد لحل الخلافات حول السلاح وإدارة الموارد الوطنية مثل الغاز والنفط، بما يضمن حقوق لبنان وثرواته السيادية.
في الختام، يبرز التمسك بالهوية اللبنانية الجامعة كمنطلق أساسي نحو مستقبل يسوده القانون والمؤسسات. إن الحلول العامة تكمن في استكمال تطبيق الدستور وتطوير القوانين الانتخابية بما يعزز فرص التمثيل الصحيح. أما بالنسبة لمستقبل لبنان، فإن الحل الجذري يتمثل في:
أولاً، دعم الاستراتيجية الدفاعية الوطنية التي يتبناها الرئيس عون لتوحد القدرات تحت إمرة الدولة.
ثانياً، تنفيذ الإصلاحات المالية والإدارية التي تقودها حكومة سلام لاستعادة التعافي.
ثالثاً، تحييد لبنان عن صراعات المحاور مع التمسك بحقه في الدفاع عن أرضه ومياهه.
إن النهوض اللبناني بات اليوم مرهوناً بحماية هذه المكتسبات الدستورية وصياغة مستقبل سيادي يمتلك فيه اللبنانيون زمام قرارهم الوطني.


