جريدة الحرة بيروت
بقلم : علي خليل ترحيني مٌدونة الكاتب علي خليل ترحيني

تشهد الساحة اللبنانية في هذه الأيام سجالاً عميقاً يتجاوز بظاهره الشق التربوي ليمس في جوهره أسس الاستقرار الداخلي وصناعة القرار الوطني، حيث يتوزع المشهد بين إصرار حكومي على إجراء الامتحانات الرسمية للشهادة الثانوية العامة في مواعيدها المقررة، وبين حراك نيابي ونقابي وأهلي واسع يطالب بإلغائها والاستعاضة عنها بإفادات رسمية مشروطة بضوابط أكاديمية وقانونية تحمي مستقبل الطلاب. وفي ظل واقع ميداني معقد يتسم بانتهاء مهلة الهدنة الراهنة ومخاوف جدية من تصعيد عسكري محتمل من قبل الاحتلال الإسرائيلي، يتحول الاستحقاق التربوي من مجرد إجراء إداري سنوي إلى مواجهة سياسية مفتوحة تضع أداء المؤسسات الرسمية على محك المسؤولية الإنسانية والوطنية العليا.
إن هذا الانقسام الحاد يعكس أزمة أعمق في مقاربة الواقع اللبناني المأزوم، فالتمسك بالامتحانات الرسمية كخط أحمر للحفاظ على القيمة الأكاديمية للشهادة اللبنانية، رغم وجاهته من الناحية النظرية وحرص أطراف عديدة على انتظام الحياة العامة، يصطدم بعوائق بنيوية وميدانية قاسية لا يمكن القفز فوقها. ويأتي في طليعة هذه العوائق الدامية تعرض الطلاب أنفسهم في أكثر من منطقة لاعتداءات واستهدافات مباشرة أدت إلى استشهاد عدد من التلامذة على مقاعد الدراسة وفي قراهم، بالإضافة إلى تعرض مراكز الجيش اللبناني وقواته للاستهداف المباشر من قبل العدو الإسرائيلي. إن هذا الواقع الأمني المتردي، الذي لم يسلم منه الطالب ولا العسكري، ينسف بشكل كامل أي ضمانات دولية أو أمنية كان يمكن الارتكاز إليها لتأمين سلامة قاصدي مراكز الامتحانات، ويكشف عن زيف الرهان على تحييد القطاع التربوي في ظل هذا العدوان الإسرائيلي الهمجي والمستمر.
إلى جانب هذه المخاطر الوجودية، فإن النزوح القسري لآلاف الطلاب والأساتذة، وغياب مقومات الاستقرار النفسي والذهني تحت وطأة التهديد والتحليق المستمر لطيران الاحتلال، فضلاً عن التفاوت الصارخ في التحصيل الدراسي بين المناطق التي عانت من القصف والتعطيل المستمر والمناطق الأكثر أماناً، كلها عوامل تضرب مبدأ تكافؤ الفرص في الصميم. في المقابل، فإن غياب التنسيق المباشر بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، والذي تجلى في مقاطعة الجلسات النيابية المخصصة لبحث الملف، يعمق الشرخ ويزيد من حالة الضياع التي يعيشها الطالب اللبناني وأهله، في وقت يحتاج فيه البلد إلى أعلى درجات التضامن والتفاهم المشترك.
أمام هذا المشهد المعقد، تبرز صياغة مسودة قانون “الإفادات الرسمية المعجّل المكرر” المطروحة في البرلمان كحجر أساس لنقاش عقلاني يسعى للخروج من عنق الزجاجة، حيث لم تعد المطالبة بالإلغاء دعوة للميوعة التعليمية، بل أصبحت محاولة لتقنين البدائل عبر ربط الإفادة بالنتائج المدرسية السنوية واشتراط امتحانات الدخول الجامعية لضمان الفرز الأكاديمي. إن حماية الرأسمال البشري للبنان لا تعني التخلي عن معايير الجودة، بل تعني امتلاك المرونة والشجاعة السياسية لإنتاج حلول استثنائية في أزمنة استثنائية، بعيداً عن منطق التحدي أو المكابرة التي قد تدفع بالبلاد نحو منزلقات غير محمودة العواقب على الصعيدين الإنساني والاجتماعي.
بناءً على هذه المعطيات، يمكن استنتاج أن المضي في خيار الامتحانات الرسمية بشكلها التقليدي دون مراعاة جادة وشاملة لواقع الميدان ولتداعيات التهديدات المستمرة والاستهدافات المباشرة، سيؤدي حتماً إلى تعميق الأزمة الداخلية وزيادة منسوب التوتر والرفض الشعبي والنقابي. والتوقعات تشير إلى أن الأيام القليلة المقبلة ستشهد تراجعاً حتمياً عن المواقف المتصلبة تحت ضغط الواقع الأمني والسياسي المتسارع، والتوجه نحو تبني صيغة توفيقية متطورة تدمج بين الحفاظ على الحد الأدنى من التقييم الأكاديمية وحفظ سلامة الطلاب وحقوقهم. إن المخرج الحقيقي للأزمة يكمن في تغليب لغة الحوار والتنسيق بين المكونات كافة لإصدار تشريع جامع يضمن لطلاب الشهادات الفنية والخطوط التعليمية كافة نيل حقوقهم بعدالة، مما يثبت قدرة الدولة اللبنانية على حماية أبنائها وإدارة أزماتها بأعلى درجات الوعي والمسؤولية الوطنية.


