جريدة الحرة بيروت
بقلم : علي خليل ترحيني مٌدونة الكاتب علي خليل ترحيني

تشهد الأروقة السياسية والمالية نقاشاً مستفيضاً يتجاوز ببعده حدود المعالجات الآنية ليلامس جوهر السيادة والانتظام العام، حيث يبرز طروق التسييل أو الرهن لجزء من الاحتياطي النقدي الأثمن، والمتمثل في الثروة الذهبية، كأحد الخيارات المطروحة لتغطية الفجوة المالية المتسعة. إن هذا الطرح لا يقف عند حدود التدبير الحسابي، بل يتقاطع مع محددات تشريعية صارمة أرساها المشرع لحماية أصول الأجيال، والتي تمنع أي تصرف بهذه الموجودات إلا بموجب نص تشريعي صريح يصدر عن السلطة التشريعية بوصفها المرجعية الدستورية العليا وصاحبة الكلمة الفصل في رعاية الثروات العامة.
ويترافق هذا الجدل مع قراءة عميقة لمفهوم التطور التاريخي وحركة التحول المؤسساتي، أو ما يمكن وصفه بـ مسار النهوض الاقتصادي الذي لا يستقيم إلا بالالتزام بالثوابت القانونية والمبادئ الحاكمة للمؤسسات، وهي القوانين والأنظمة التشريعية التي تحمي الكيان الاستراتيجي من الاندثار في لحظات الأزمات الكبرى.
من المنظور المالي، يمثل احتياطي الذهب خط الدفاع الأخير والثقة المتبقية في الهيكل الائتماني العام، وتسييله لتمويل نفقات جارية أو لتغطية التزامات دون تبني خطة تعافٍ شاملة ومقرة من المؤسسات الدولية المعنية، قد يؤدي إلى انكشاف مالي كامل وتجريد البلاد من آخر أدوات القوة الحمائية. إن الفجوة المالية المتمثلة في التفاوت بين الالتزامات المحققة والموجودات الفعلية، تتطلب حلولاً بنيوية تبدأ من إعادة هيكلة القطاع المصرفي وتوزيع المسؤوليات وتحديد الخسائر وفق تراتبية الحقوق، وليس عبر استسهال استهلاك الأصول السيادية التي تشكل غطاء للنقد وضمانة للمستقبل.
وتبرز المخاطر القانونية دولياً في أن أي تحويل لطبيعة هذه الموجودات من أصول سيادية محفوظة تحت مظلة الحصانة الدولية إلى أدوات ذات طابع تجاري، سيعرضها فوراً لملاحقات الدائنين الأجانب ومحاولات الحجز القضائي، مما يفقد البلاد القدرة على الاستفادة منها، ويحول الأصول الوطنية إلى ساحة للمنازعات الخارجية.
إن الخروج من الانسداد الراهن يتطلب صياغة رؤية مستقبلية ترتكز على التوفيق بين متطلبات التحديث وبين الجذور العميقة للكيان؛ أي تحقيق معادلة التمسك بالثوابت الوطنية والانتقال نحو الاستقرار الإداري والمالي. ويكمن الحل في ترسيخ الدولة وحضورها المؤسساتي من خلال إقرار قانون الانتظام المالي، وتوحيد السياسات النقدية، وإنشاء إطار استثماري وطني لإدارة الأصول العامة وتطوير إنتاجيتها دون بيعها أو رهنها، مستفيدين من العوائد المتأتية لتحسين الخدمات الأساسية وإعادة الحقوق لأصحابها ضمن مسار حوكمة رشيد.
إن الرهان الحقيقي لا يقوم على تبديد الثروات الموروثة، بل على تفعيل مكامن القوة الذاتية وتطوير البنية التشريعية والقضائية التي تحمي الاستثمار، وهو التوجه الذي يمثل دافعاً أساسياً في بناء اقتصاد منتج ومستدام، ويؤسس لولادة مرحلة جديدة من التعافي والاستقرار تتطلع إليها البلاد بوصفها المحطة المفصلية لاستعادة العافية والحضور الفاعل.


