الأكثر قراءة

لبنان : اقتراح قانون قيم العدالة في تجريم العنصرية الصهيونية

جريدة الحرة بيروت

بقلم : علي خليل ترحيني مٌدونة الكاتب علي خليل ترحيني

تُشكل المبادرة التشريعية القائمة على تقديم مشروع قانون ينص على تجريم العنصرية الصهيونية وترسيخ قيم العدالة محطة أساسية في المسار الوطني والقانوني اللبناني. إن هذا الطرح لا ينطلق من رد فعل سياسي عابر، بل يعتمد على قراءة موضوعية شاملة تستند إلى المبادئ الدستورية، والالتزامات الدولية، والواقع التاريخي والجغرافي الذي يفرض على الدولة اللبنانية حماية حياضها وصون مقومات وجودها.

يتأسس هذا المكون القانوني على تجذير المفاهيم المتعلقة بالسيادة الوطنية، حيث يحدد طبيعة العدو الإسرائيلي بناءً على ممارساته الممتدة عبر العقود، والمدعومة بمنظومة تشريعية لدى سلطات الاحتلال تؤكد طبيعتها الاستعمارية والإحلالية. ومن الناحية القانونية، يستند النص إلى قرارات الشرعية الدولية والمعاهدات الأممية التي اعتبرت الأفكار والممارسات القائمة على التمييز العرقي والتطهير السكاني منافية للإعلان العالمي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني. وبذلك، يتحول النص التشريعي إلى أداة قانونية تترجم الالتزامات الدولية للبنان، وتمنح المؤسسات الرسمية ركيزة صلبة لمواجهة الأطماع الأجنبية والضغوط الخارجية.

لقد شهد الفكر السياسي والثقافي في لبنان إجماعاً تاريخياً بين كبار المفكرين والرؤساء والنخب السياسية على اختلاف اتجاهاتهم حول خطورة الكيان الصهيوني وأطماعه في لبنان. فقد حذر المفكر والسياسي ميشال شيحا، أحد أبرز واضعي الدستور اللبناني، مبكراً من الخطر الكياني الذي تشكله الصهيونية على صيغة لبنان ودوره، مؤكداً أن قيام كيان يستند إلى التعصب العرقي والديني على حدود لبنان يشكل تهديداً مستمراً للاستقرار وقيم التعددية الوطنية. وفي السياق ذاته، حذر الفيلسوف والمفكر د. شارل مالك، الذي ساهم في صياغة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، من الطبيعة الاستثنائية والمعقدة للعدوانية الإسرائيلية، مؤكداً أن الاستقرار في المنطقة لا يمكن أن يستقيم مع سلب الحقوق الأساسية للشعوب وإلغاء القوانين الدولية. كما وقف العميد ريمون إده بموقفه الوطني الصلب مستشرفاً أطماع العدو الإسرائيلي في الأراضي والثروات المائية اللبنانية، ولا سيما نهر الليطاني، داعياً باستمرار إلى التمسك بالسيادة والقوانين الدولية والشرعية الأممية لحماية لبنان. يعكس هذا التوافق الفكري والسياسي بين قامات وطنية متعددة أن الموقف الحاسم من الصهيونية يتجاوز الانقسامات الفئوية، ليشكّل ركيزة جامعة في الثقافة السياسية اللبنانية.

إن إعادة تنظيم المبادئ الوطنية عبر تشريع صريح تدعم قدرة الدولة على إدارة علاقاتها الخارجية وصيانة قرارها السيادي. فالإطار القانوني المحدد وضعه القانون المقترح يضع حدوداً فاصلة تنظم العمل السياسي والدبلوماسي، وتمنح مجلس النواب، بصفته الممثل الشرعي لإرادة الشعب اللبناني، الصلاحية الأصلية في إرساء الاتجاهات الاستراتيجية المتعلقة بقضايا العداء والسلام، بعيداً عن التنازعات الداخلية أو التأثيرات الإقليمية.

تتجلى الأهمية الكبرى لهذا الاقتراح القانوني في أثره المباشر على الحياة السياسية اللبنانية، إذ يعمل على إعادة صياغة الوعي الوطني الجامع من خلال بناء مرتكزات مفهومية وقانونية صلبة تصوب المسار السياسي العام. إن توحيد الرؤية حول طبيعة الصراع وضوابطه القانونية يعزز سيادة الدولة واستقلالية قرارها والحيلولة دون استخدام لبنان ساحة للتجاذبات. ومن خلال استناد القانون إلى الدستور ووثيقة الوفاق الوطني واتفاقية الهدنة لعام 1949، يتكرس مفهوم العمل المؤسساتي الموحد الذي يحمي حقوق لبنان وثرواته، ويصون نسيجه الاجتماعي، ويثبت مقومات الدولة العصرية القادرة على إدارة ملفاتها الوطنية بثبات واستقرار.

https://hura7.com/?p=82588

الأكثر قراءة