الأكثر قراءة

لبنان .. الواقع الاجتماعي : بين مطرقة الأزمات المركّبة وسندان الصمود الأهلي.

جريدة الحرة ـ بيروت

بقلم : د. ربى فوزي نصر ـ فرنسا . مدونة الكاتبة د. ربى نصر

يمرّ المشهد الاجتماعي في لبنان بواحدة من أكثر مربعاته تعقيداً وخطورة في التاريخ الحديث؛ إذ لم تعد المسألة تقتصر على تراجعٍ في مؤشر معيشيّ معّين، بل أضحت أزمة بنيوية شملت تفاصيل الحياة اليومية للمواطن والمقيم على حدٍّ سواء. يتداخل في لبنان الانهيار الاقتصادي المتواصل مع هشاشة شبكات الأمان الاجتماعية وتراكم التبعات الأمنية والإنسانية، مما أوجد واقعاً ديمغرافيّاً ونفسيّاً شديد الضغط.

اتساع دائرة الفقر وتآكل الطبقة الوسطى :

ـ  أدى تداعي القيمة الشرائية للعملة الوطنية وارتفاع نسب التضخم إلى تلاشي «الطبقة الوسطى» التي كانت تُعدّ صمام الأمان والعمود الفقري للمجتمع اللبناني.

ـ مستويات قياسية من الفقر: تتنقل شرائح واسعة من السكان نحو محاذاة خط الفقر أو أدناه، مع صعوبة متزايدة في توفير السلع الغذائية الأساسية وتغطية كلفة الاستشفاء والتعليم.

ـ عجز شبكات الحماية الرسمية: تظهر التقارير والدراسات أن برامج الدعم والرعاية الاجتماعية الحكومية تعاني من ضعف التمويل وتغطية محدودة جداً لا تتجاوز نسباً ضئيلة من الأسر الأكثر هشاشة، مما يحرم الملايين من مظلة حماية متكاملة.

ضغط الخدمات الأساسية (التعليم والاستشفاء)

ـ تأثر قطاعا الصحة والتعليم  ـ وهما العمودان اللذان طالما تميّز بهما لبنان في المنطقة — بشكل مباشر بالواقع الاجتماعي الراهن:

ـ القطاع الصحي: يواجه القطاع الطبي نقصاً في المستلزمات وارتفاعاً باهظاً في كلفة الاستشفاء والدواء، ما جعل الرعاية الصحية عبئاً مالياً تعجز عن تحمّله معظم العائلات.

ـ القطاع التعليمي: تحوّلت المدارس والجامعات الرسمية إلى ملاذ أخير للعديد من الأسر العاجزة عن تسديد الأقساط الخاصة، وسط أزمات تمويل وإضرابات متكررة تهدد المستوى التعليمي للأجيال الشابة.

نزيف الطاقات الهاربة: الهجرة واستنزاف الشباب

أفرز التدهور الاجتماعي والمعيشي موجات هجرة مكثفة تُعرف بـ “استنزاف العقول” (Brain Drain )؛ إذ يغادر آلاف الأطباء والمهندسين والأساتذة البلاد بحثاً عن فرص عمل ومناخ أكثر استقراراً، مما يترك أثراً عميقاً على النسيج الاجتماعي والقدرة على النهوض مستقبلاً.

التكافل الأهلي والشرخ الاجتماعي

في ظل تراجع الخدمات والمؤسسات الرسمية، برزت ديناميكيتان متوازيتان:

ـ التكافل الأهلي والمبادرات الفردية: أدى المجتمع المدني والجمعيات المحلية دوراً محورياً في سد الثغرات التشغيلية والإغاثية، من خلال حملات الدعم والمطابخ الشعبية والشبكات التعاونية.

ـ الضغط النفسي والتفكك الأسري: تراكمت الأزمات الاقتصادية والأمنية لتلقي بظلالها على الصحة النفسية للجمهور، ما زاد من معدلات القلق والاضطراب الاجتماعي ورفع من حدة التوترات الداخلية.

إن الوضع الاجتماعي في لبنان لم يعد يحتمل الحلول الترقيعية المؤقتة أو الاعتماد الحصري على المساعدات الإنسانية الطارئة. يحتاج البلد بصورة ملحة إلى صياغة رؤية استراتيجية شاملة لإعادة بناء نظام الحماية الاجتماعية، وتفعيل الاقتصاد الإنتاجي، بما يضمن صون كرّامة المواطن ويوقف نزيف الكفاءات الشابة إلى الخارج.

https://hura7.com/?p=85427

 

الأكثر قراءة