الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

لبنان بعد الضربة الإسرائيلية على بيروت إدارة الصراع: بين الحسابات الإقليمية والدولية وأزمات الداخل

جريدة الحرة بيروت

بقلم : د .عبد الرؤوف سنّو، مؤرّخ وباحث

في أعقاب الضربات الإسرائيلية العنيفة التي استهدفت لبنان، ولا سيما العاصمة بيروت في الليلة الماضية، يتكرّس مرة جديدة واقع لا لبس فيه: لبنان لم يعد مجرد دولة تتأثر بالصراع، بل تحوّل إلى ساحة مفتوحة تُدار فوقها حسابات إقليمية ودولية، وتُختبر فيها موازين القوة، فيما يدفع المجتمع اللبناني الكلفة كاملة.

فالضربات التي طالت مناطق مدنية وبنى تحتية وأوقعت مئات الشهداء والجرحى، وما رافقها من اتساع في نطاق الأهداف، لا يمكن اختزالها في إطار الردّ الدفاعي العسكري المحدود، بل تعبّر عن نمط متكرر يقوم على استخدام القوة المفرطة لإعادة فرض قواعد اشتباك تخدم استراتيجية أوسع. إنّ هذه السياسة العدوانية، التي توقع أذى واسعا بالمدنيين وتقوّض مقومات الحياة اليومية والأمن والاقتصاد، تتجاوز في نتائجها أي مبررات أمنية ضيقة (أمن شمال إسرائيل)، وتعكس مقاربة تعتبر لبنان مجالًا مباحًا لإعادة ضبط التوازنات والمصالح.

غير أنّ اختزال ما جرى في العامل الخارجي وحده يبقى قراءة ناقصة. فلبنان، في بنيته الداخلية، يعيش أزمة سيادية عميقة منذ العام تحرير الجنوب في العام 2000، حيث أدّت الانقسامات الطائفية والمذهبية، وخاصة وجود سلاح حزب المرتبط بإيران إلى إضعاف الدولة وتقويض قدرتها على احتكار القرار في الحرب والسلم، حتى إدارة ملفاتها الداخلية. وفي هذا الفراغ، جرى نقل البلد من موقع الدولة إلى موقع الساحة، حيث يشرف الحرب الثوري من الأراضي اللبنانية على العمليات من الجنوب، بينما يدفع أهلنا في الجنوب الثمن؛ نزوحا ومعاناة ومستقبلا مظلما بتدمير أسس حياتهم، في حين أن تدمير بيروت يتجاوز مجرد الضربة العسكرية إلى القضاء نهائيا على الدولة اللبنانية. فالمسألة أكبر من استهداف قيادات حزب الله المختبئين بين السكان المدنيين.

وفي هذا السياق، فإنّ تحالف حزب الله مع الحرس الثوري الإيراني لم يقتصر على بعد سياسي أو أيديولوجي، بل أدّى عمليًا إلى إدماج لبنان ضمن شبكة صراع إقليمية أوسع، تُستخدم فيها أراضيه ضمن معادلات الردع والصواريخ. وهذه الحقيقة، بغضّ النظر عن تبريراتها، جعلت لبنان عرضةً تلقائيًا لردود فعل عسكرية تتجاوز قدرته على التحمل، وأضعفت قدرة الدولة على حماية مجتمعها من تداعيات هذا التموضع.

في المقابل، لا يمكن تجاهل البعد الدولي للصراع، حيث يتقاطع السلوك الإسرائيلي مع مقاربة أميركية أوسع تقوم على تغليب القوة العسكرية على المسارات الدبلوماسية. فبدل الدفع نحو حلول سياسية تُخفّف من التوتر الدولي، يتعامل الرئيس الأميركي، بعدما جرى تحجيم روسيا والعمل على تطويق الصين، مع العالم وحلفائه الأوروبيين والكنديين والأميركيين الجنوبيين ومنطقة الشرق الأوسط بوصفهم أتباعا عليهم الإذعان لسياسته. وكما يسعى ترامب إلى إعادة إنتاج موازين القوة، سواء عبر التحكم بمفاصل الاقتصاد العالمي ومسارات الطاقة، أو عبر تكريس أنماط من الهيمنة السياسية، متوسلا التصعيد العسكري أداة وظيفية، لا استثناءً، في إدارة الصراع، كذلك يسعى حليفه نتنياهو، بجنون وتوراتيا، لإنهاء القضية الفلسطينية بشكل حاسم، وتحقيق مشروع “إسرائيل الكبرى” الأيديولوجي والخيالي.

وهكذا، يجد لبنان نفسه محاصرًا بين مستويين من المسؤولية: مسؤولية داخلية ناجمة عن عجز الدولة اللبنانية لتكون دولة، بفعل تعدّد مراكز القرار المتراكم عبر العقود المنصرمة، ومسؤولية خارجية تتمثل في توظيفه كساحة ضمن استراتيجيات أكبر منه تتمثل بمشروع إيران المنافس لإسرائيل، وهو الهيمنة على لبنان عبر حرسها الثوري، حزب الله ومستشاريها العسكريين. فيدفع اللبنانيون الثمن: أمنًا، واقتصادًا، واستقرارًا، في بلد يرزح أصلًا تحت أزمات متراكمة.

إنّ ما جرى ليلة أمس ليس حدثًا عابرًا، بل حلقة جديدة في مسار يُعيد إنتاج نفسه كلما تلاقت هشاشة الداخل مع حسابات الخارج. ومن هنا، فإنّ التضامن مع لبنان لا يمكن أن يبقى في حدوده العاطفية أو التصريحات، بل يجب أن يتحوّل إلى موقف سياسي واضح يطالب، من جهة، بوقف استباحة أراضيه، ومن جهة أخرى، بإعادة الاعتبار للدولة بوصفها المرجعية الوحيدة لقرار الحرب والسلم. وهذا لن يتحقق، برأينا، لوجود دولة عاجزة ليست صاحبة قراراها، فضلا عن عجز الدولة

ولا يمكن للبنان أن يستمر منصة لصراعات الآخرين، ولا كساحة مفتوحة لإعادة رسم الخارطات بالقوة. التحدي الحقيقي يكمن في كسر هذه الحلقة، عبر مساعدة الدولة على استعادة دورها، وتحصين المجتمع من الانقسامات التي تجعل منه عرضةً للاستدراج الدائم إلى معارك لا يملك قرارها ولا يملك الخروج منها.

الاستنتاج

إنّ ما يكشفه هذا المشهد المركّب ليس مجرد تكرار لدورات عنف عابرة، بل ترسّخ بنيوي لنمطٍ من إدارة الصراع يجعل من لبنان ساحةً دائمةً لتقاطع الإرادات الخارجية مع هشاشة الداخل. فحين تتقدّم القوة العسكرية بوصفها الأداة الأولى في التعامل مع الأزمات، وتتراجع السياسة إلى هامشٍ ضيّق، يصبح العنف خيارًا مُعاد إنتاجه، لا استثناءً طارئًا. وفي هذه المعادلة، لا تُقاس النتائج فقط بميزان الردع أو الخسائر المباشرة، بل بمدى ما تُحدثه من إضعاف متراكم لبنية الدولة والمجتمع.

غير أنّ تحميل المسؤولية للخارج الساكن وحده لا يكفي، كما أنّ الاكتفاء بإدانة الداخل لا يقدّم مخرجًا. فالمعضلة الحقيقية تكمن في التداخل بين الاثنين: في نظام إقليمي ودولي يسمح باستخدام القوة دون مساءلة فعّالة، وفي بنية داخلية عاجزة عن إنتاج قرار سيادي موحّد. وهذا التداخل هو ما يُبقي لبنان في دائرة الاستباحة، حيث يُستدرج إلى صراعات لا يملك أدوات ضبطها، ولا القدرة على تحمّل نتائجها.

في خضمّ التصعيد الراهن، لم يعد ممكنًا تجاهل أنّ حزب الله قد انتقل من موقع الفاعل اللبناني إلى موقع الطرف المنخرط بالكامل في صراع إقليمي يتجاوز حدود الدولة ومصالحها. فالحزب، بحكم ارتباطه البنيوي والعسكري بالحرس الثوري في إيران ولبنان، لم يعد يكتفي بدعم سياسي أو تضامني للولي الفقيه، بل انزلق إلى مستوى من الانخراط يجعل من لبنان ساحةً متقدمة في مواجهة تُدار خارج قراره الوطني. وفي هذا السياق، جاءت مواقف أمينه العام بالوكالة نعيم قاسم، التي أعلن فيها بوضوح الاصطفاف إلى جانب إيران في هذه المواجهة، لتكرّس هذا التموضع، وتؤكد أنّ القرار الاستراتيجي لم يعد لبنانيًا خالصًا، بل بات جزءًا من معادلة إقليمية تُفرض إيقاعاتها على الداخل. وكل ذلك استخفافا بأمن الشيعة في لبنان، حياتهم وأرزاقهم ومستقبلهم، وعلى حساب كل اللبنانيين بعد الضربة الإسرائيلية على بيروت منذ ليلة أمس.

إنّ هذا الانزلاق لا يمكن التعامل معه كخيار سياسي عادي، بل كتحوّل بنيوي يحمّل لبنان كلفة مباشرة وخطيرة في سيادته وأمنه. فحين تُستخدم أراضيه ومنشآته ضمن منظومة ردع إقليمية يديرها الحرس الثوري، يصبح المجتمع اللبناني بأكمله عرضةً لردود عسكرية لا يملك قرارها ولا القدرة على تحمّل تبعاتها. وفي هذا الإطار، تتحول الدولة إلى كيان معطّل السيادة، فيما يُعاد تعريفها فعليًا كساحة اشتباك، لا كمرجعية حاكمة. والأخطر أنّ هذا التموضع الإيراني-حزب الله يمنح إسرائيل الذرائع التي تحتاجها لتوسيع عملياتها، ويُدخل لبنان في حلقة تصعيد مفتوحة، تتغذّى من تلاقي الحسابات الإقليمية مع هشاشة الداخل.

ومن هنا، فإنّ المسؤولية لا يمكن الالتفاف عليها: فربط مصير لبنان بمحور إقليمي، أيًّا كانت مبرراته، يعني عمليًا تعريضه لدورات عنف متكررة، وإبقاءه رهينة صراعات لا يملك التحكم بها. إنّ استعادة الدولة لقرارها السيادي لم تعد مسألة نظرية أو مطلبًا سياسيًا، أو حتى رفاهية، بل شرطًا وجوديًا للخروج من مسار الانزلاق المستمر نحو مزيد من التدمير وعدم الاستقرار.

ومن هنا، فإنّ أي مقاربة جدّية للخروج من هذه الحلقة لا بد أن تبدأ بإعادة تعريف مفهوم السيادة، لا كشعار سياسي، بل كقدرة فعلية للدولة على احتكار قرارها الاستراتيجي، وضبط حدودها، ومنع توظيف أراضيها في صراعات الآخرين. كما أنّها تقتضي، في الوقت نفسه، إعادة طرح سؤال المسؤولية الدولية، في ظلّ نظام عالمي يتسامح مع اختلال ميزان القوة، وعجز الأمم المتحدة، ما يُبقي المنطقة والمنطقة رهينة حساباته.

إنّ مستقبل لبنان لن يُحسم في ميدان المعارك، بل في قدرته على الانتقال من موقع الساحة إلى موقع الدولة، ومن منطق الجيشين إلى منطق الجيش الواحد، ومن ردّ الفعل إلى منطق الفعل السياسي. ودون ذلك، ستبقى كل جولة عنف مجرد فصل جديد في أزمة لم تُحلّ، بل أُعيد إنتاجها بصيغ أشد قسوة وتعقيدًا.

https://hura7.com/?p=77391

 

الأكثر قراءة