جريدة الحرة بيروت
بقلم : نبيل شحاده مدونة الكاتب نبيل شحاده

لم يكن اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيّز التنفيذ في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2024 مجرد ترتيبات ميدانية لاحتواء التصعيد بين لبنان وإسرائيل، بل كان، نظرياً، فرصة ثمينة – لو أُحسن استثمارها- لإعادة تثبيت مبدأ الدولة في لبنان القائمة على جيش واحد، وقرار واحد، وسلاح واحد. ثم جاء اتفاق 16 نيسان /أبريل 2026 ليعيد التأكيد على الفكرة نفسها، وبصيغة أكثر صراحة، فشدّد على أن القوى الأمنية اللبنانية هي الجهة الوحيدة المخوّلة حماية السيادة ومنع أي هجمات على الحدود. وبين الاتفاقين، وما تلاهما من أحداث وتطورات، انكشفت حقيقة مؤلمة، وهي أن المشكلة في لبنان ليست نقص الاتفاقات أو بنودها، بل غياب للدولة التي تقدر على تنفيذها.
في نصوص اتفاق 2024، كانت البنود واضحة، وشملت حظراً على حزب الله وسائر الجماعات المسلحة من تنفيذ أي عمل هجومي، مقابل التزام إسرائيلي مماثل. كما أُعيد تثبيت القرار 1701 كمرجعية كاملة، مع التأكيد على أن الجيش اللبناني وقوات الأمن اللبنانية الرسمية هي الجهات المسلحة الوحيدة في الجنوب، وأن كل سلاح خارج هذا الإطار يجب أن يخضع لسلطة الدولة أو أن يُصادر. كما نُصّ على انسحاب تدريجي للقوات الإسرائيلية، وانتشار شامل للجيش اللبناني، وانسحاب عناصر حزب الله إلى شمال الليطاني. باختصار، كان الاتفاق يرسم خريطة طريق واضحة لإنهاء ازدواجية السلاح، ولو بشكل مرحلي.
لكن التنفيذ بقي حبراً على ورق. لم تتمكن الدولة اللبنانية من استكمال انتشارها الفعلي، ولم تنتقل إلى المرحلة الحاسمة، أي فرض احتكارها للسلاح على كامل أراضيها. وحتى في الجنوب، حيث يفترض أن تكون المعادلة أبسط، بقيت الوقائع الميدانية موضع تشكيك، واستمرت الضربات الإسرائيلية، وهذا ما عكس فجوة عميقة بين نص الاتفاق والتطبيق. أما شمال الليطاني والذي يجب أن يشمله سحب السلاح، فبقي خارج أي معالجة جدية.
ثم جاء اتفاق نيسان / أبريل 2026 ليكشف حجم المأزق. وبدلاً من التحرّك الفوري لتثبيت السيادة، أعيد انتاجها كالتزام نظري؛ الاتفاق ينص على ان الدولة في لبنان تكون الجهة الوحيدة المسؤولة عن الأمن، وتمنع أيضا حزب الله من تنفيذ هجمات. وأضاف الاتفاق بنداً بالغ الدلالة منح إسرائيل حق اتخاذ ما تراه ضرورياً “للدفاع عن النفس” في أي وقت. عملياً، هذا يعني أن السيادة اللبنانية انتقصت، وأصبحت مشروطة بنص واضح، وأن الدولة لا تملك ضمانة لوقف الخروقات الإسرائيلية، ومُطالبة بالقيام بما عجزت عنه سابقاً.
النتيجة لاتفاق بين طرفين غير متكافئين لا في السلطة ولا في القوة ولا حتى في معيار السيادة، لم تتأخر في الظهور. لم تصمد الهدنة طويلاً، وعادت الصواريخ بوتيرة متفاوتة، فيما إسرائيل حاضرة عسكرياً في مساحة واسعة محتلة، واستمر حزب الله في تحركاته، رافضاً أي مسار يؤدي إلى تقييد حركته ونزع سلاحه، وكذلك معطّلاً لأي مسار يؤدي إلى نزع سلاحه أو حتى تقييده في حركته وفق رؤيته بأن ذلك سيؤدي حتماً إلى فوضى داخلية. والأخطر أنه أثبت، عملياً، أن قرار الحرب والسلم لا يزال في يده، والدولة كلها تتأثر بوهج سلاحه، وهو منخرط في التصعيد الإقليمي على خلفية المواجهة الإيرانية مع خصومها، وفارضاً على لبنان واللبنانيين واقعاً لا تملك الدولة القدرة على منعه أو ضبطه. وهكذا، تحوّل الاتفاق الثاني، كما الأول، إلى مجرد استراحة قصيرة بين جولتين من التصعيد وتحقيق مزيد من الموت والدمار، لا إلى مسار فعلي تستفيد منه الدولة لدعم وجودها وسيادتها، وبقيت كل الدعوات والتصريحات حتى من أركان السلطة إلى حصرية السلاح في إطار الخطاب، دون ترجمة عملية على الأرض، حتى في العاصمة بيروت، حيث لم تنجح الدولة في فرض نموذج أمني مختلف، وجعلها مدينة منزوعة السلاح، وبقيت القرارات الحكومية التي صدرت مؤخراً في نيسان / أبريل 2026، لتعزيز حضور الجيش في العاصمة، أقرب إلى كلام في الهواء، ويفتقر للإرادة الحازمة وللغطاء السياسي الشامل الذي يجرؤ على المساس بالبنية التحتية العسكرية للحزب.
أما على المستوى الخارجي، فلم تتمكن بيروت من استغلال الدعم العربي والدولي وتحويله إلى قوة ضغط فعلية، في ظل شكوك متزايدة حول قدرة الدولة اللبنانية على تنفيذ التزاماتها المعلنة. بل إن بعض المقاربات الأوروبية ذهبت إلى حد التسليم بصعوبة نزع سلاح حزب الله في ظل الظروف الحالية، والتسليم أنه الممسك الوحيد بمفاصل القرار اللبناني، و”دولة الظل” التي تدير الواجهة الرسمية إلى حد كبير.
في المحصلة، يبدو أن السبب الأساسي لفشل الاتفاقين هو أنهما افترضا وجود دولة، دولة قادرة على احتكار القوة، وتملك “أنياباً” لتفرض قراراتها وهيبتها في الداخل، وعلى التفاوض من موقع سيادي متماسك. لكن الواقع اللبناني مختلف: سلطة منقسمة ومتصارعة، قرار سيادي موزّع، وسلاح خارج الشرعية يملك القدرة على تعطيل أي مسار لا يتوافق مع حساباته، ويتحوّل وقف إطلاق النار إلى هدنة مؤقتة، لا أكثر.
أما السؤال الحقيقي، الذي يحتاج إلى جواب شاف من رجال الدولة هو: كيف تذهبون إلى تفاوض مباشر وما سينتج عنه من التزامات وتعهدات، وأنتم لم تتمكنوا في أي يوم من تنفيذ بند واحد من اتفاقات وقرارات دولية بقيت بفعل سياسات التراخي والمجاملة نصوصاً بلا معنى، وليبقى لبنان وطناً ضائعاً بين دولة لا تحكم، وحزب لا يستسلم، ولا يريد أن يتحمل المسؤولية ويخضع لقرار أو دستور.


