الأكثر قراءة

لبنان بين التحدي والتعايش

الحرة

بقلم : أسطيفان يلدز

تشهد الساحة اللبنانية في الأسابيع الأخيرة تصاعدا في النقاشات السياسية والأمنية، وسط ظروف دقيقة تضع لبنان أمام مفترق طرق جديد. ورغم تباين المواقف، إلا أن الثابت لدى الغالبية اللبنانية هو الإصرار على حماية السلم الأهلي وصون التعايش التاريخي بين الطوائف، باعتباره الركيزة الأساسية لبقاء لبنان دولة موحدة ومستقلة.

تدرك القوى السياسية أن أي عودة إلى لغة السلاح أو خطاب الانقسام تعني انتحارا وطنيا، لذلك تتكثف الجهود لتغليب منطق الدولة على منطق الفصائل، في إطار خطة شاملة لإعادة ضبط السلاح وحصره بالمؤسسات الشرعية. ورغم حساسية هذا المسار، إلا أن اللبنانيين باتوا أكثر وعيا بأن لا خلاص إلا عبر دولة قوية، تُدار بمبدأ العدالة والمواطنة، لا بالولاءات الطائفية أو الحسابات الإقليمية.

في المقابل، تتزايد الأصوات الرافضة لأي تدخل خارجي في الشأن اللبناني، سواء من إيران أو من الولايات المتحدة أو من غيرهما. فلبنان، الذي عانى لعقود من صراعات الوكالة، لم يعد يحتمل أن يكون ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية. السيادة الوطنية ليست شعارا بل موقفًا ثابتا، وهي تعني أن يُصاغ القرار اللبناني بإرادة لبنانية خالصة، تحمي مصالح الشعب وتضمن استقراره.

إن مستقبل لبنان لا يُبنى على الانقسام أو الارتهان، بل على التفاهم والتوازن، وعلى إعادة إحياء روح العيش المشترك التي شكلت جوهر التجربة اللبنانية منذ تأسيسها. فمهما اشتدت الأزمات، يبقى الأمل قائما بأن إرادة اللبنانيين في الحياة والحرية أقوى من كل محاولات العبث بوحدتهم أو جرّهم إلى صراع جديد.

لبنان، هذا الوطن الصغير بمساحته الكبير بتاريخِه، يمتد بجذوره إلى أعماق الحضارات القديمة، من الفينيقيين الذين نشروا الأبجدية والتجارة عبر المتوسط، إلى الممالك والمدن التي ازدهرت على شواطئه كصور وصيدا وبيروت. شكّل لبنان على مرّ العصور جسراً بين الشرق والغرب، ومركزاً للتفاعل الثقافي والفكري، حيث تعايشت فيه الديانات والطوائف في لوحة فريدة من التنوع. ومنذ استقلاله عام 1943، ظلّ لبنان نموذجًا للحرية الفكرية والانفتاح في العالم العربي، حاملاً إرثه الثقافي الغني ووعيه العميق بقيمة التعدد والعيش المشترك. هذه الجذور التاريخية جعلت منه وطنًا يتجدد رغم المحن، ويستمد قوته من تنوعه وروح شعبه الساعية دوماً إلى السلام والبناء.

https://hura7.com/?p=67875

الأكثر قراءة