جريدة الحرة بيروت
بقلم د. محمد حلاوي

في كل مرة يصل فيها لبنان إلى مفترق سياسي كبير، يعود النقاش إلى السؤال نفسه: هل تكمن الأزمة في الاستحقاقات الدستورية نفسها، أم في غياب الإرادة السياسية لتطبيق الأسس التي قام عليها النظام؟ والواقع أن التجربة اللبنانية منذ نهاية الحرب الأهلية تشير إلى أن المشكلة لم تكن يوماً في النصوص، بل في كيفية إدارتها. فـالخلاص الحقيقي للبنان يبقى في العودة إلى روح اتفاق الطائف وتطبيقه كاملاً، بعيداً عن الحسابات الفئوية والمصالح الآنية للكتل السياسية.
وفي هذا السياق تحديداً جاء النقاش حول تمديد ولاية المجلس النيابي. فبين النصوص القانونية والوقائع السياسية، برزت تسوية جديدة تقوم على تمديد ولاية البرلمان لمدة سنتين، في خطوة تبدو للوهلة الأولى تقنية، لكنها في حقيقتها تحمل أبعاداً سياسية أعمق تتعلق بإعادة ترتيب المشهد اللبناني بعد سنوات من الأزمات المتراكمة.
ويُنتظر أن يتحول هذا النقاش إلى استحقاق دستوري مباشر يوم الاثنين 9 آذار، حين يلتئم المجلس النيابي بدعوة من رئيسه نبيه بري لمناقشة اقتراحات القوانين المتعلقة بتمديد ولاية البرلمان، في جلسة يُتوقع أن تشكل محطة مفصلية في تحديد المسار السياسي للمرحلة المقبلة.
وثائق التمديد… تعدد الطروحات ووحدة الاتجاه
الوثائق المتداولة في المجلس النيابي تكشف أن مسألة التمديد لم تكن فكرة طارئة. فقد تقدمت عدة كتل نيابية باقتراحات قوانين مختلفة لتمديد ولاية المجلس، أبرزها اقتراحات بتمديد قصير يمتد بين أربعة وستة أشهر، مع تبريرات ترتبط بالظروف الأمنية والعسكرية التي تجعل تنظيم الانتخابات أمراً بالغ الصعوبة.
أحد هذه الاقتراحات تقدم به النائب رازي الحاج عن تكتل الجمهورية القوية، واقترح تمديداً لمدة ستة أشهر، في ظل ما وصفته المذكرة المرفقة بالظروف العسكرية والأمنية الاستثنائية التي تمر بها البلاد. كما ظهر اقتراح آخر للنائب جبران باسيل بتمديد أربعة أشهر قابلة للتجديد في حال استمرار الظروف نفسها.
لكن قراءة هذه المبادرات في سياقها السياسي تظهر أن الخلاف لم يكن في مبدأ التمديد، بل في مدته. فالغالبية الساحقة من الكتل السياسية كانت تدرك أن الانتخابات النيابية في الظروف الحالية شبه مستحيلة من الناحية العملية. ولذلك فإن الطروحات التي تحدثت عن تمديد لبضعة أشهر بدت في جانب منها أقرب إلى خطاب سياسي موجه للرأي العام، أو محاولة لتفادي الاتهام بتعطيل التداول الديمقراطي للسلطة.
بمعنى آخر، كانت معظم القوى السياسية راغبة فعلياً في التمديد، لكن بعضها فضّل طرح مهَل قصيرة لأسباب تتعلق بالمزايدات السياسية أو بالحسابات الشعبوية، فيما كانت المداولات الحقيقية تتجه نحو حل مختلف تماماً.
تسوية السنتين… تقاطع مصالح داخلية
مع تقدم النقاش داخل المؤسسات الدستورية، بدأت ملامح تسوية سياسية تتبلور حول خيار التمديد لمدة سنتين. هذا الخيار جاء نتيجة تقاطع مصالح عدة أطراف أساسية في السلطة.
فالرئيس جوزيف عون لا يميل إلى تمديد طويل قد يصل إلى أربع سنوات، لأن ذلك قد يقيّد العهد الجديد ويجعل التوازنات البرلمانية الحالية تتحكم بالحياة السياسية طوال فترة طويلة. وفي المقابل، يرى رئيس المجلس النيابي نبيه بري ورئيس الحكومة د. نواف سلام أن البلاد تحتاج إلى فترة انتقالية تسمح بإدارة الملفات السياسية والاقتصادية المعقدة دون الوقوع في فراغ دستوري.
وهكذا ظهر خيار السنتين كحل وسط: مدة كافية لإدارة المرحلة الانتقالية، لكنها ليست طويلة إلى حد تكريس الواقع السياسي القائم.
الدور الدولي… الاستقرار أولاً
غير أن المعادلة اللبنانية لا تُفهم دائماً من الداخل فقط. فالمجتمع الدولي، وعلى رأسه الولايات المتحدة، لعب دوراً مؤثراً في ترجيح هذا الخيار. الرسائل التي وصلت إلى المسؤولين اللبنانيين كانت واضحة: الأولوية في المرحلة المقبلة ليست للانتخابات، بل لإعادة تثبيت الاستقرار السياسي والأمني في البلاد. فإجراء انتخابات في ظل التوترات الحالية قد يؤدي إلى مزيد من الانقسام بدل أن يفتح الباب أمام الاستقرار. لذلك برز دعم دولي لخيار التمديد لسنتين باعتباره إطاراً زمنياً مناسباً لإعادة ترتيب المؤسسات اللبنانية.
الظروف الطارئة… عامل مساعد لا سبباً حاسماً
ورغم أن الظروف الأمنية والعسكرية الطارئة شكّلت مبرراً قانونياً وسياسياً للتمديد، فإنها لم تكن السبب الحقيقي وراءه. فالواقع أن النقاش حول تمديد ولاية المجلس كان مطروحاً في الكواليس السياسية منذ فترة، قبل أن تأتي التطورات الأمنية لتوفر البيئة المناسبة لتمريره دون اعتراضات جذرية.
بعبارة أخرى، أسهمت الظروف الطارئة في إنضاج القرار السياسي أكثر مما كانت السبب المباشر له. إذ إن القوى السياسية كانت تدرك مسبقاً أن المرحلة المقبلة تتطلب وقتاً لإعادة ترتيب النظام السياسي والمؤسساتي في لبنان.
سنتان لإعادة ترتيب النظام
وفق القراءة السياسية المتداولة، فإن التمديد لسنتين يشكل عملياً إطاراً زمنياً لمرحلة انتقالية ذات مرحلتين.
1- المرحلة الأولى: في السنة الأولى، يتركز العمل على تثبيت الاستقرار الداخلي وترتيب البيت اللبناني سياسياً وأمنياً، وفي مقدمة ذلك مسألة حصرية السلاح بيد الدولة وتعزيز سلطة المؤسسات الشرعية.
2- المرحلة الثانية: أما السنة الثانية، فتُخصص لإطلاق عملية إصلاح سياسي تبدأ بإقرار قانون انتخاب جديد يعالج الثغرات التي ظهرت في القانون الحالي، ويمهد لانتخابات نيابية تعكس التوازنات الجديدة في البلاد.
بهذا المعنى، سيعتبر التمديد جزء من عملية أوسع لإعادة تنظيم الحياة السياسية
بين التمديد والفراغ الدستوري
غير أن أهمية هذا النقاش لا تكمن فقط في مدة التمديد، بل في ما قد يحدث في حال عدم إقراره. فعدم إجراء الانتخابات وعدم التوافق على تمديد ولاية المجلس قد يدفع البلاد نظرياً نحو مسار أكثر تعقيداً يتمثل في الذهاب إلى إعادة تأسيس السلطة التشريعية وفق آليات دستورية استثنائية، وهو ما يفتح الباب أمام نقاش حول عقد سياسي أو تأسيسي جديد.
غير أن مثل هذا المسار يبدو بالغ الصعوبة في الظروف الراهنة، في ظل الانقسام السياسي العمودي الذي يعيشه لبنان، إضافة إلى ضبابية المشهد الأمني في المنطقة. فالدخول في نقاش تأسيسي في لحظة كهذه قد يفتح الباب أمام صراعات سياسية أعمق بدل أن يشكل مدخلاً للحل.
اخيراً.. الطريق إلى الدولة
لكن يبقى السؤال الأهم: هل ستُستثمر هذه المرحلة فعلاً في إصلاح النظام، أم ستتحول إلى محطة جديدة في سلسلة التأجيلات اللبنانية؟
التجربة السياسية في لبنان تظهر أن أي فرصة للإصلاح قد تضيع إذا عادت القوى السياسية إلى حساباتها الضيقة. ولذلك فإن نجاح هذه المرحلة الانتقالية يتوقف على قدرة الطبقة السياسية على تجاوز مصالحها الآنية والعمل وفق منطق الدولة لا منطق المحاصصة.
في نهاية المطاف، لا يحتاج لبنان إلى تمديد هنا أو انتخابات هناك بقدر ما يحتاج إلى عودة حقيقية إلى منطق الدولة وتطبيق كامل لاتفاق الطائف. فالشعب اللبناني الذي دفع أثمان الأزمات المتلاحقة يستحق أخيراً أن يعيش في وطن آمن ومستقر. وطن لا يُدفع فيه الشباب إلى الهجرة بحثاً عن مستقبل مفقود، ولا يبقى فيه الاستقرار السياسي والاقتصادي رهينة صراعات داخلية لا تنتهي. وعندها فقط يمكن القول إن لبنان بدأ فعلاً طريق الخروج من أزماته، لا عبر تسويات مؤقتة، بل عبر إعادة بناء الدولة التي حلم بها اللبنانيون منذ عقود.


