
جريدة الحرة بيروت
بقلم: د. فريد لخنش مدونة الكاتب د. فريد لخنش
بينما يصرّ لبنان الرسمي والنيابي على التمسك بطوق النجاة الدولي ممثلاً بقوات اليونيفيل، تمضي آلة الحرب الإسرائيلية في فرض إيقاعها الدموي على القرى والبلدات الجنوبية. وكأن قدر هذا البلد أن يظل عالقاً في معترك دائم، تتجاذبه طاولات الدبلوماسية المرتجفة وميادين المواجهة المشتعلة، في مشهد يعكس بوضوح أزمة الدولة اللبنانية وهي تحاول الإمساك بخيوط الاستقرار الهشة وسط عاصفة من التصعيد.
يعيش لبنان اليوم حالة الازدواجية القسرية، فهو يخوض تفاوضاً سياسياً محموماً لضمان بقاء القوات الدولية، بينما يُقصف ويُمشط عسكرياً في الوقت ذاته. هذه الثنائية ليست صدفة، بل هي جوهر الاستراتيجية الإسرائيلية التي تُمارس دبلوماسية النار، حيث لا يُنظر إلى التفاوض كأداة للحل، بل كواجهة لتمرير تغييرات جيوسياسية على الأرض. تسعى إسرائيل لتقويض دور اليونيفيل لعدم وجود رغبة في وجود شاهد عيان دولي يعيق الطموحات الميدانية، بينما تحاول بيروت عبر هذه المفاوضات شراء الوقت وتأمين غطاء شرعي للبقاء في الجنوب، ضمن محاولة يائسة لتحويل التهدئة إلى واقع سياسي.
معضلة سلاح حزب الله وربطه بالاشتباك الإقليمي
تتأزم المعادلة اللبنانية أكثر عندما تتكشف العقدة الكبرى المتمثلة في سلاح حزب الله، والتي تتجاوز بابعادها الجغرافية حدود الساحات المحلية لتلتحم بصراع النفوذ الاستراتيجي الممتد بين واشنطن وطهران. لم يعد هذا السلاح مجرد تفصيل عسكري داخل الخارطة اللبنانية، بل بات ورقة مركزية في ميزان الردع الإقليمي وحسابات الإدارة الأمريكية في المنطقة. إن اتفاقات الإطار التي تنص على نزع سلاح الجماعات المسلحة تصطدم بحقيقة أن طهران ترى في ترسانة الحزب خط دفاع متقدماً ومخلباً استراتيجياً لا يمكن التخلي عنه بسهولة في حربها المفتوحة عبر وكیلها، بينما تستغل إسرائيل وواشنطن هذا الارتباط العضوي لتبرير استمرار الحرب وتدمير البنى التحتية تحت شعار اجتثاث التهديد الإيراني، مما يجعل لبنان بأسره رهينة لحروب بالوكالة وصراعات كبرى تفوق طاقة احتماله.
التداعيات العميقة على الداخل اللبناني وتآكل الثقة
تترك هذه المعادلة الصعبة ظلالاً قاتمة على الداخل اللبناني وتحديداً على استنزاف القدرة على الصمود، فلم يعد المجتمع الجنوبي مجرد حاضنة أو ضحية، بل بات يعيش حالة من الترقب الوجودي حيث تؤدي عمليات التمشيط وتدمير القرى إلى تفريغ الجنوب من سكانه وإحداث تغيير ديموغرافي صامت يخدم الخطط الإسرائيلية طويلة الأمد. يضاف إلى ذلك أزمة شرعية السلطة عندما يتحدث المسؤولون عن الدولة والسيادة بينما تقرر أطراف أخرى مصير الميدان، مما يزيد الشرخ بين المواطن والدولة ويجعل الشعب اللبناني رهينة بين خطاب رسمي يدعو للتفاوض وواقع عسكري يفرض المواجهة. ولا يمكن فصل هذا الواقع عن الانهيار الاقتصادي والنسيج الاجتماعي الذي يهدد البلاد بدفعها نحو مرحلة اللاعودة.
المفارقة التاريخية بين اتفاقيات الورق وميدان النار
يصطدم اتفاق صيغة الإطار الذي وُقّع في يونيو الماضي، والذي يطمح لانسحاب إسرائيلي مقابل انتشار الجيش، بجدار الواقع المتمثل في توغل القوات الإسرائيلية لمسافات عميقة. يكشف هذا التباين الصارخ بين النص المكتوب والممارسة الميدانية أن المفاوضات تجري في معزل عن موازين القوى، إذ يراهن لبنان على الشرعية الدولية بينما تراهن إسرائيل على حق القوة لإلغاء أي اتفاق لا يحقق شروطها الأمنية المطلقة.
خيارات صعبة ومستقبل غامض
يتجاوز جوهر الأزمة اللبنانية اليوم حدود الجنوب ليصل إلى عمق عقد الدولة، ويمثل التوسع في التفاوض مع الاحتلال بينما تُنتهك السيادة تكتيكاً محكوم عليه بالفشل إذا لم يستند إلى وحدة وطنية حقيقية. يقف لبنان أمام خيارين لا ثالث لهما، إما تحول الدبلوماسية إلى دبلوماسية مواجهة تجمع القوى اللبنانية على موقف سياسي وميداني موحد يمنح الجيش اللبناني الشرعية والغطاء الوطني ليتحرك كقوة وحيدة على الأرض، وإما استمرار الانزلاق في ثنائية الحرب والتفاوض التي لن تؤدي إلا إلى إضعاف الدولة وتفتيت المجتمع. يظل استمرار التمسك باليونيفيل خياراً ضرورياً لكنه غير كاف، ويبدأ الحل الحقيقي عندما يمتلك لبنان قراراً وطنياً موحداً يخرج به من عباءة المساومات الإقليمية، ليتحول الجنوب من ساحة تصفية حسابات إلى أرض سيادة يسيطر عليها جيشه وحده.


