جريدة الحرة بيروت

بقلم: د. فريد لخنش مدونة الكاتب د. فريد لخنش
تدخل العلاقة بين دمشق وحزب الله مرحلة جديدة من التوتر بعد إعلان السلطات السورية توقيف ثلاثة أشخاص قالت إنهم يشكلون خلية مرتبطة بالحزب في منطقة حوض اليرموك بريف درعا الغربي، قرب الجولان. وفي المقابل، نفى حزب الله بشكل قاطع أي صلة له بالموقوفين، مؤكداً أنه لا يملك وجوداً في الأراضي السورية ولا يمارس فيها أي نشاط أمني أو عسكري. ويضع هذا التباين الروايتين السورية والحزبية أمام اختبار أمني وسياسي، خصوصاً أن العملية وقعت في منطقة شديدة الحساسية تتقاطع فيها الحدود والمصالح العسكرية والتحركات الإسرائيلية.
وأعلنت قوى الأمن الداخلي السورية أن جهاز الاستخبارات العامة، بالتعاون مع وحداتها، أحبط ما وصفته بـ«مخطط تخريبي» في حوض اليرموك، موضحة أن العملية جاءت بعد متابعة لتحركات المجموعة. وقالت السلطات إن أفراد الخلية كانوا يعملون على تجهيز منصات لإطلاق صواريخ بهدف تنفيذ هجمات من شأنها زعزعة الأمن والاستقرار، مشيرة إلى تفكيك المنصات واستمرار التحقيقات تمهيداً لإحالة الموقوفين إلى القضاء.
لكن دمشق لم تكشف الأهداف التي كانت ستستهدفها الخلية، كما لم تعلن عدد منصات إطلاق الصواريخ أو طبيعة الأسلحة التي كانت بحوزة الموقوفين. وتبقى هذه التفاصيل أساسية لفهم طبيعة المخطط وحجمه، فيما لا تزال المعلومات المستقلة التي يمكن أن تؤكد الرواية الرسمية محدودة حتى الآن. ولذلك تظل الاتهامات المنسوبة إلى الخلية في نطاق الرواية التي أعلنتها السلطات السورية إلى حين ظهور معطيات إضافية من التحقيقات أو مصادر مستقلة.
منطقة جغرافية تختزن أكثر من صراع
يكتسب حوض اليرموك أهمية تتجاوز حدود محافظة درعا، إذ يقع في جنوب غرب سوريا بالقرب من الحدود الأردنية والجولان الذي تسيطر عليه إسرائيل، كما يجاور منطقة الفصل بين القوات السورية والإسرائيلية. وقد جعل هذا الموقع المنطقة إحدى أكثر النقاط حساسية في الجنوب السوري، خصوصاً مع استمرار التحركات العسكرية الإسرائيلية في أجزاء من المنطقة منذ سقوط نظام بشار الأسد.
وتعني هذه الجغرافيا أن أي نشاط مسلح في حوض اليرموك يمكن أن تكون له تداعيات تتجاوز الداخل السوري. فالموقع قريب من خطوط تماس حساسة، وأي محاولة لإطلاق صواريخ أو إنشاء بنية عسكرية فيه قد تثير حسابات أمنية إسرائيلية وأردنية وسورية في الوقت نفسه، فضلاً عن تأثيرها المحتمل على العلاقة بين دمشق وبيروت.
وتأتي العملية كذلك في منطقة شهدت خلال الأشهر الأخيرة تحركات إسرائيلية متكررة، ما يزيد تعقيد المشهد. وتشير تقارير حديثة إلى وقوع توغلات وعمليات تفتيش وتحركات عسكرية إسرائيلية في عدد من قرى حوض اليرموك، الأمر الذي يجعل الأمن المحلي مرتبطاً بصورة مباشرة بالتطورات الإقليمية المحيطة بالجولان والجنوب السوري.
حزب الله ينفي ويضع دمشق أمام اختبار
سارع حزب الله إلى رفض الاتهامات السورية، مؤكداً عدم وجود أي علاقة بينه وبين الأشخاص الذين أوقفتهم السلطات في حوض اليرموك. ولم يقتصر نفي الحزب على الخلية الموقوفة، بل شمل التأكيد على عدم وجوده في الأراضي السورية أو ممارسته أي نشاط أمني أو عسكري فيها، داعياً السلطات السورية إلى التحقق من خلفيات الاتهامات التي قال إنها قد تؤدي إلى زيادة التوتر بين لبنان وسوريا.
ويضع هذا الموقف القضية في مسار أكثر تعقيداً، لأن الخلاف لم يعد متعلقاً فقط بهوية الأشخاص الثلاثة أو طبيعة المعدات التي تقول دمشق إنها عثرت عليها، وإنما بات مرتبطاً بسؤال أوسع حول وجود شبكات مرتبطة بحزب الله داخل سوريا بعد التغيير السياسي الذي شهدته البلاد.
وتحتاج الروايتان إلى التمييز بين الاتهام السياسي والإثبات القضائي. فالسلطات السورية أعلنت عن عملية أمنية واعتقالات، بينما قدم الحزب نفياً شاملاً، في حين لم تُعلن حتى الآن تفاصيل التحقيق التي يمكن أن توضح طبيعة الصلات المفترضة بين الموقوفين والحزب. ويجعل ذلك نتائج التحقيقات السورية عاملاً أساسياً في تحديد اتجاه القضية خلال المرحلة المقبلة.
من حليف للأسد إلى علاقة شديدة الحساسية
تستند حساسية الملف إلى تاريخ مختلف تماماً للعلاقة بين الطرفين. فقد تدخل حزب الله عسكرياً في الحرب السورية إلى جانب قوات بشار الأسد منذ عام 2013، وكانت سوريا خلال عهد الأسد جزءاً مهماً من شبكة الإمداد الإيرانية المتجهة إلى الحزب في لبنان. لكن سقوط النظام أواخر عام 2024 غيّر موقع الحزب في المعادلة السورية بصورة جذرية.
وتتعامل السلطات السورية الجديدة مع إرث تلك المرحلة من زاوية مختلفة، إذ أعلنت في مناسبات عدة توقيف مجموعات قالت إنها مرتبطة بحزب الله، كما تحدثت عن ضبط شحنات أسلحة قالت إنها كانت موجهة إليه. وفي المقابل، نفى الحزب في مناسبات مختلفة وجود قوات أو نشاط عسكري له داخل سوريا.
ويكشف هذا التباين عن واحدة من أصعب القضايا التي تواجه العلاقة بين دمشق والحزب: كيف يمكن إعادة بناء علاقة بين طرفين كانت بينهما شراكة ميدانية خلال سنوات الحرب، بينما أصبحت السلطة السورية الجديدة أكثر حساسية تجاه أي نشاط مسلح مستقل عن مؤسسات الدولة؟
توقيت حساس يضيف بعداً إقليمياً
جاء الإعلان السوري عن توقيف الخلية بعد ساعات من تصريحات لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تحدث فيها عن وجود مؤشرات، وفق قوله، إلى أن أعداء إسرائيل قد يحاولون تنفيذ هجوم قبل الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول. ولا توجد معلومات معلنة تثبت وجود رابط مباشر بين تصريحات نتنياهو والعملية السورية، لكن التزامن بين الحدثين أضاف بعداً إقليمياً إلى القضية.
وتزداد حساسية التوقيت بسبب موقع حوض اليرموك القريب من الجولان، حيث تنظر إسرائيل إلى أي نشاط عسكري في المناطق المحاذية باعتباره مسألة أمنية مباشرة. وفي المقابل، تواجه دمشق واقعاً أمنياً معقداً في الجنوب، بين محاولة تثبيت سلطة الدولة، والتحركات الإسرائيلية، والحد من نشاط الجماعات المسلحة والشبكات التي قد تعمل خارج المؤسسات الرسمية.
ولا يعني التزامن بالضرورة وجود علاقة بين الملفات، لكنه يكشف طبيعة البيئة التي ظهرت فيها القضية. فجنوب سوريا لم يتحول بعد إلى مساحة أمنية مستقرة تماماً، وتداخل الملفات المحلية والإقليمية يجعل أي حادث أمني قابلاً لأن يتحول إلى قضية تتجاوز حجمه المباشر.
هل تدخل العلاقة مرحلة جديدة؟
يفتح توقيف الخلية المعلنة ملفاً أوسع يتعلق بمستقبل علاقة دمشق بحزب الله، خصوصاً أن الطرفين يتحركان حالياً ضمن معادلة مختلفة جذرياً عن تلك التي حكمت العلاقة خلال سنوات الحرب السورية. وبينما تسعى السلطات السورية الجديدة إلى تثبيت احتكار الدولة للقرار الأمني والعسكري، يؤكد الحزب أنه لا يملك وجوداً عسكرياً داخل سوريا.
ويشير استمرار الخلافات إلى أن إعادة بناء العلاقة لن تكون مرتبطة بالتصريحات السياسية وحدها، بل بقدرة الطرفين على معالجة الملفات الأمنية الحساسة ومنعها من التحول إلى مصدر دائم للتوتر بين سوريا ولبنان. وقد تصبح نتائج التحقيق في قضية حوض اليرموك مؤشراً مهماً على كيفية تعامل دمشق مع الشبكات المسلحة المفترضة، وعلى طبيعة الأدلة التي ستقدمها لإثبات ارتباطها بجهات خارجية.
وتزداد أهمية المسألة لأن أي تصعيد على الحدود السورية الجنوبية قد لا يبقى محصوراً داخل سوريا. فالموقع القريب من الجولان والأردن، والتوتر المستمر مع إسرائيل، إلى جانب العلاقة المعقدة مع حزب الله، تجعل الجنوب السوري نقطة تتقاطع فيها حسابات متعددة.
وتبقى المرحلة المقبلة مرتبطة بما ستكشفه التحقيقات السورية، وبما إذا كانت دمشق ستقدم أدلة تفصيلية على الصلة التي تحدثت عنها، وبكيفية استمرار حزب الله في إدارة علاقته بالسلطات السورية الجديدة. وفي ظل غياب معلومات مستقلة مكتملة حتى الآن، تظل القضية مفتوحة على أكثر من احتمال، لكن المؤكد أن حوض اليرموك أصبح مرة أخرى نقطة اختبار لقدرة دمشق على فرض سيطرتها الأمنية، ولطبيعة التوازنات التي تتشكل في جنوب سوريا بعد سقوط نظام الأسد.


