جريدة الحرة بيروت
بقلم : علي خليل ترحيني مٌدونة الكاتب علي خليل ترحيني
تشهد المنطقة واحدة من أعقد اللحظات السياسية وأكثرها حرجاً مع اقتراب موعد التوقيع الرسمي على مذكرة التفاهم الإقليمية المبدئية بين الولايات المتحدة وإيران في سويسرا. هذا التطور الدبلوماسي الكبير، الذي صِيغ برعاية باكستانية-قطرية، يضع الساحة اللبنانية في عين العاصفة مجدداً، حيث تتداخل الحسابات الإقليمية بالتعقيدات الميدانية المحلية، وسط تباين حاد في القراءات والمواقف بين عواصم القرار والداخل اللبناني.
تحمل “مذكرة التفاهم” في طياتها معادلة مقايضة واضحة المعالم على المستوى الإقليمي؛ فمقابل وقف فوري ودائم للعمليات العسكرية على الجبهات كافة، تحصل طهران على مكاسب اقتصادية واستراتيجية فورية، تتبلور في رفع الحصار البحري الأميركي عن موانئها واستئناف تدفق نفطها، وإعادة فتح مضيق هرمز لضمان حرية الملاحة مقابل إزالة الألغام البحرية، فضلاً عن الإفراج التدريجي عن أموال مجمّدة تصل إلى ٢٤ مليار دولار، وبدء مهلة ستين يوماً للمفاوضات الفنية الخاصة بالملف النووي.
في المقابل، تكمن ثغرات هذا الاتفاق في طبيعته المؤقتة كإطار تفاهم وليس كمعاهدة نهائية ملزمة، مما يجعله هشاً أمام أي اهتزاز ميداني خلال مهلة الستين يوماً. وتتعمق هذه الهشاشة مع استبعاد ملفات بنيوية شديدة الحساسية كبرنامج الصواريخ الإيراني وملف دعم الفصائل المسلحة، إلى جانب غياب التنسيق الكامل مع الجانب الإسرائيلي، ما خلق فجوة تنفيذية خطيرة تترجم ميدانياً في جنوب لبنان.
يتجلى هذا الشرخ في موقف العدو الإسرائيلي الرافض للالتزام الكامل بالبند اللبناني؛ حيث أبلغت حكومة العدو الإسرائيلي واشنطن رسمياً بأنها ليست طرفاً في هذا التفاهم، متمسكة باستراتيجية الرد الموضعي وحرية الحركة العسكرية لضرب البنية التحتية في الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت، والاحتفاظ بمواقعها الحالية التي تصنف كشريط أمني مؤقت، بانتظار ما ستسفر عنه المفاوضات المباشرة المقررة في واشنطن. هذا التعنت من قبل العدو الإسرائيلي أوجد مساحة توتر مع الإدارة الأميركية، تُرجمت في انتقادات علنية حادة عقب الغارات الأخيرة على بيروت، إلا أنه يضع الاتفاق برمته على حافة الانهيار، خصوصاً أن طهران وحلفاءها يربطون استمرار الهدنة بشموليتها وعدم تجزئتها.
أمام هذا المشهد، يعيش الداخل اللبناني حراكاً دبلوماسياً وسياسياً مكثفاً تقوده مؤسسات الدولة الرسمية بهدف تثبيت المرجعية السيادية في أي ترتيبات مقبلة. ويأتي تشكيل الوفد التقني برئاسة السفير السابق سيمون كرم للتحضير للمفاوضات المقررة في الثاني والعشرين من حزيران الحالي، كخطوة عملية تعكس إصرار الدولة على التفاوض باسمها ولحساب مصالحها الوطنية العليا، والتمسك بحصر السيطرة الميدانية والقرار الأمني بيد الجيش اللبناني وفقاً للمواثيق والقرارات الدولية. وفي المقابل، تتباين التقديرات السياسية المحلية بين من يرى في الاتفاق مظلة حماية فرضتها موازين القوى الميدانية مع اشتراط انسحاب العدو الإسرائيلي الشامل ورفض منحه أي تفوق أمني مستقبلي، وبين قوى سياسية تبدي خشيتها من انعكاسات التفاهمات الإقليمية على القرار السيادي، بالتزامن مع تحذيرات من ضغوط دبلوماسية قد تمارسها أطراف دولية لتعديل الشروط على حساب السيادة اللبنانية. هذا التجاذب السياسي يتقاطع مع واقع إنساني ضاغط يمثله ملف النازحين، حيث يعيش أكثر من مليون ومئتي ألف مواطن حالة ترقب مشوبة بالقلق من تحول النزوح إلى أمر واقع دائم إذا ما استمر الاحتلال الميداني والحصار العسكري.
الاتفاق الأميركي الإيراني ومأزق الجنوب
بناءً على المعطيات الميدانية والدبلوماسية الراهنة، يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات محتملة لمستقبل الساحة اللبنانية في ظل هذا التفاهم الإقليمي:
سيناريو الاحتواء وتفكيك الأزمة تدريجياً: يقوم هذا المسار على نجاح الضغوط الأميركية في كبح جماح التصعيد من طرف العدو الإسرائيلي، ودفعه إلى الانخراط في مفاوضات واشنطن المقررة في ٢٢ حزيران. بموجب هذا السيناريو، يتم تثبيت وقف إطلاق النار عبر مظلة دولية وإقليمية متكاملة، تبدأ بانسحاب تدريجي لقوات العدو الإسرائيلي من الشريط الأمني المقترح، مقابل انتشار واسع وفعال للجيش اللبناني في خطوة تعيد صياغة الترتيبات الأمنية على الحدود عبر القنوات الرسمية للدولة.
سيناريو “الهدنة الهشة” والرد الموضعي: وهو السيناريو الأقرب للواقع الحالي، حيث يوقع الاتفاق الإقليمي في سويسرا مع بقاء الجبهة اللبنانية في حالة من “الجمود القلق”. يستمر العدو الإسرائيلي في عملياته الموضعية واستراتيجية الحصار الميداني، بينما يعتمد الطرف الآخر سياسة الرد المنضبط على الخروقات دون تفجير الاتفاق كاملاً. هذا المسار يبقي لبنان في وضع معلق، بانتظار مهلة الستين يوماً الفنية، ويرهن الاستقرار الداخلي بأي تفصيل ميداني صغير قد يطيح بالتفاهم الإقليمي في أي لحظة.
سيناريو الانفجار الشامل وتهاوي التفاهم: يتحقق هذا الاحتمال في حال أصر العدو الإسرائيلي على تنفيذ تهديداته بتوسيع العمليات العسكرية في العمق اللبناني أو تثبيت احتلاله للشريط الأمني الجنوبي، مما يدفع طهران وحلفاءها إلى إعلان انهيار التفاهم الإقليمي بالكامل واشتعال الجبهات البحرية والبرية مجدداً. هذا السيناريو من شأنه أن يسقط مهلة الستين يوماً الدبلوماسية، ويعيد المنطقة إلى مربع المواجهة المفتوحة، مجهضاً جهود الدولة اللبنانية في استعادة المبادرة السياسية والدبلوماسية.
في المحصلة، يجد لبنان نفسه أمام استحقاق تاريخي يتجاوز مجرد وقف العمليات العسكرية؛ فالأسابيع المقبلة لن تحدد فقط مصير الحدود الجنوبية وهيكل الأمن الإقليمي، بل ستضع التزام المجتمع الدولي بسيادة الدولة اللبنانية ومؤسساتها الرسمية تحت الاختبار الحقيقي الأخير.


