جريدة الحرة ـ برلين ـ بيروت

بقلم : الدكتورة سماء سليمان، عضو مجلس الشيوخ السابق ـ دولة مصر
لبنان بين كماشة الحرب الكبرى وصفقات الظل
لا يمكن فهم اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل بمعزل عن المشهد الإقليمي الأوسع، وتحديداً الحرب الدائرة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة أخرى. فالاتفاق، في جوهره، لا يعكس فقط رغبة في تهدئة الجبهة اللبنانية، بل يمثل جزءاً من إعادة ترتيب موازين القوة في المنطقة، حيث تسعى واشنطن وتل أبيب إلى تقليص نفوذ طهران عبر استهداف أهم أدواتها غير المباشرة.
ضمن هذا السياق، يبدو واضحاً أن البند المتعلق بحصر السلاح بيد الدولة اللبنانية ليس مجرد مطلب سيادي، بل هو محاولة مباشرة لإضعاف حزب الله بوصفه الذراع الأكثر تأثيراً لإيران في شرق المتوسط. فالاتفاق، وإن صيغ بلغة دبلوماسية، يحمل في طياته تصوراً أمنياً يقوم على تفكيك البنية العسكرية للحزب أو على الأقل تحييدها، بما يضمن لإسرائيل تقليص التهديد على جبهتها الشمالية في لحظة إقليمية شديدة الاشتعال. تصدعات في الضفة الأطلسية
غير أن هذه الرؤية تصطدم بحسابات إيرانية مختلفة تماماً. فبالنسبة إلى طهران، لا يشكل حزب الله مجرد حليف، بل هو أحد أهم أوراق الردع الاستراتيجي. وفي ظل الحرب المفتوحة – أو شبه المفتوحة – مع إسرائيل والولايات المتحدة، يصبح التخلي عن هذه الورقة أو حتى تقليص فعاليتها أمراً غير وارد. بل على العكس، تزداد أهمية الحزب كأداة ضغط يمكن استخدامها في أي لحظة لتوسيع نطاق المواجهة أو لتحسين شروط التفاوض.
من هنا، يمكن قراءة الاتفاق ليس كخطوة نحو نزع سلاح الحزب، بل كمحاولة لاحتوائه مؤقتاً بانتظار ما ستؤول إليه الحرب الإقليمية. فإيران تدرك أن أي تنازل في الساحة اللبنانية سينعكس مباشرة على موقعها التفاوضي، سواء في ما يتعلق بإنهاء الحرب أو بترتيبات ما بعدها. ولذلك، من غير المرجح أن تسمح بفرض واقع جديد في لبنان ينتقص من نفوذها، إلا إذا كان ذلك جزءاً من صفقة شاملة تضمن لها مكاسب موازية.
في المقابل، تدرك إسرائيل أن خوض حرب شاملة مع حزب الله في هذه اللحظة قد يكون مكلفاً للغاية، خاصة في ظل انخراطها في مواجهة أوسع مع إيران. لذلك يبدو الاتفاق كخيار تكتيكي يهدف إلى تجميد الجبهة اللبنانية مؤقتاً، دون التخلي عن هدف استراتيجي طويل الأمد يتمثل في تقويض قدرات الحزب. ويعزز هذا التوجه البند الذي يمنح إسرائيل حق “الدفاع عن النفس”، وهو بند مفتوح يتيح لها هامشاً واسعاً للتحرك العسكري عند الضرورة.ليست معركتنا ـ “حرب إيران”
أما الدولة اللبنانية، فتجد نفسها مرة أخرى في موقع المتلقي للضغوط، مطالبةً بتنفيذ التزامات تتجاوز قدرتها الفعلية، وفي بيئة داخلية منقسمة حول مسألة السلاح ودور المقاومة. وهنا يتجلى التناقض البنيوي في الاتفاق: فهو يفترض وجود دولة قادرة على فرض سيادتها الكاملة، في حين أن الواقع اللبناني لا يزال محكوماً بتوازنات معقدة تجعل من هذا الهدف أقرب إلى الطموح منه إلى الإمكانية. أوروبا تكسر الاصطفاف
بناءً على ذلك، يمكن القول إن هذا الاتفاق هو انعكاس مباشر للحرب الإقليمية أكثر مما هو حل للنزاع اللبناني– الإسرائيلي. إنه محاولة لضبط إيقاع إحدى ساحات الصراع، وليس إنهاءها. واستمراريته ستظل مرهونة بمسار الحرب الكبرى: فإذا اتجهت نحو التهدئة والتسويات، قد يتحول إلى مدخل لترتيبات أوسع؛ أما إذا تصاعدت، فمن المرجح أن ينهار سريعاً، ليعود لبنان إلى موقعه التقليدي كساحة اشتباك بالوكالة.الدفاع ـ تزامن المناورات البحرية، استعراض قوة ورسائل استراتيجية متبادلة
في النهاية، لا يبدو أن الاتفاق يعبر عن توازن مستقر، بل عن هدنة هشة تحكمها حسابات القوة أكثر مما تحكمها إرادة السلام. وبين رغبة واشنطن وتل أبيب في تقليم أظافر إيران، وإصرار طهران على التمسك بأوراقها، يبقى لبنان معلقاً على حافة صراع أكبر منه، ينتظر نتائج مفاوضات لا تُدار على أرضه، لكن تُحسم جزئياً من خلاله.
رابط مختصر .. https://hura7.com/?p=77803


