الأكثر قراءة

لبنان : تداعي الأوهام وسيادة الواقع

جريدة الحرة بيروت

بقلم : علي خليل ترحيني مٌدونة الكاتب علي خليل ترحيني

تصطدم أوهام إعادة تشكيل المنطقة عبر القوة العسكرية الغاشمة بالحقائق الإستراتيجية الصلبة على الأرض. لقد انطلقت المخططات الأمريكية والإسرائيلية من فرضية مفادها أن استخدام الشدة العسكرية المفرطة كفيل بإحداث تغيير هيكلي شامل في جغرافية النفوذ، غير أن الوقائع الميدانية والسياسية تؤكد اليوم أن موازين القوى لا تُصنع بالإرادة المنفردة، وأن ما سمي بمشاريع الهيمنة الإقليمية قد دخل مرحلة التعثر والانكفاء أمام استعصاء الشعوب والقوى الرافضة للسياسات الاستعمارية.

في هذا السياق الإقليمي المعقد، يبرز موقف رئيس الجمهورية اللبنانية كمحور أساسي في معركة التمسك بالسيادة الوطنية وحماية الاستقلال. إن موقف الرئاسة اللبنانية المؤكد على إدانة الخروقات العسكرية والاعتداءات المستمرة التي يرتكبها العدو الإسرائيلي، وإعلانه الصريح بأن هذه الممارسات تقوض الاتفاقات المبرمة وتهدد الاستقرار، يمثل صلب الموقف الرسمي المتمسك بثوابت الدولة. إن التحدي الراهن أمام السلطة اللبنانية يتلخص في حماية الأراضي الوطنية ومواجهة الأطماع التوسعية، بالتكامل مع ترسيخ الاستقرار الداخلي وحماية المؤسسات الدستورية، بما يضمن صون القرار الوطني المستقل وحماية التماسك السياسي في مواجهة الضغوط الخارجية.

على الجانب الآخر، تظهر القراءة الدقيقة للمشروع الإسرائيلي المبتنى على التوسع واستخدام القوة الصلبة حالة صريحة من المأزق الإستراتيجي. إن الإفراط في التفوق العسكري والتدمير الممنهج لم ينجح في فرض بيئة إقليمية مستقرة لخطة التطبيع والهيمنة، بل أدى إلى تعميق أزمات الاحتلال الداخلية والتأثير سلباً على منظومة ردعه المعهودة. لقد كشفت التطورات أن الاستناد الشديد إلى الدعم الأمريكي المباشر لا يمكنه علاج الاختلالات البنيوية داخل مجتمع الاحتلال، كما أن محاولات حسم الصراعات بالقوة العسكرية الفاقدة للأفق السياسي أدت إلى حالة من التخبط والإرباك على مستوى القيادة والقرار الإستراتيجي.

بناءً على هذا الواقع، تُطرح للرحلة المقبلة ثلاثة سيناريوهات سياسية محتملة:

السيناريو الأول (استمرار المراوحة والإنهاك): يقوم على بقاء حالة التأزم الراهنة بدون حسم عسكري أو تسوية سياسية شاملة، حيث يستمر العدو الإسرائيلي في ممارسة الخروقات واستهداف الأراضي اللبنانية والإقليمية، مقابل استمرار الاستنزاف السياسي والعسكري، ما يُبقي المنطقة في حالة اضطراب مستمر ويمنع تحقيق أي استقرار إقليمي.

السيناريو الثاني (التراجع الإجباري ونشوء توازنات جديدة): يتضمن اضطرار الإدارة الأمريكية والدول الداعمة إلى كبح جماح التوسع العسكري للعدو الإسرائيلي نتيجة لتزايد الكلفة السياسية والاقتصادية، مما يفرض القبول بتفاهمات إقليمية أكثر واقعية تعترف بأدوار القوى الرافضة للهيمنة، وتُعيد تفعيل أطر التفاوض الدبلوماسي المتكافئ.

السيناريو الثالث (التصعيد المفتوح والانزلاق الشامل): ويرتبط بإصرار حكومة العدو على الخروج من أزماتها الداخلية عبر الذهاب إلى مواجهات عسكرية أوسع نطاقاً، وهو خيار ينطوي على مخاطر عالية قد تؤدي إلى تفجير المنطقة بأكملها وتأطير الفشل الإستراتيجي للعدو في قالب أكثر خطورة وتدميراً.

تُشير التوقعات الواقعية إلى أن الخيار الأكثر ترجيحاً هو الانزلاق المتدرج نحو توازنات جديدة تُنهي أوهام الهيمنة المطلقة، حيث تثبت الحقائق التاريخية والسياسية أن إرادة الشعوب وتمسك الدول بسيادتها وحقوقها المشروعة يظلان العامل الحاسم في رسم معالم المستقبل، بعيداً عن إسقاطات القوة والتصاميم المفرطة في وهم السيطرة.

https://hura7.com/?p=82366

الأكثر قراءة