الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

لبنان: تفاوض النار

جريدة الحرة بيروت

بقلم : علي خليل ترحيني مدونة الكاتب علي خليل ترحيني

بينما تدخل الهدنة الممددة لثلاثة أسابيع حيز التنفيذ، تتجاوز اجتماعات البيت الأبيض الأخيرة سقف “التهدئة التقنية” لتلامس جوهر إعادة هندسة الواقع الجيوسياسي في الشرق الأوسط. إن عبارة الرئيس دونالد ترمب “الاجتماع سار بشكل جيد للغاية” لم تكن مجرد تفاؤل دبلوماسي عابر، بل عكست وفق تسريبات أروقة القرار في واشنطن، بدء تنفيذ “بروتوكول التمكين السيادي”؛ وهو مسار يهدف إلى تحويل الدولة اللبنانية من “طرف مفاوض” إلى “سلطة حصرية” على كامل أراضيها، مدعومة بزخم أمريكي يسعى لفك الارتباط العسكري والمالي بين القرار اللبناني والمحاور الإقليمية.على المستوى العملاني، انتقلت الحشود العسكرية الأمريكية قبالة السواحل اللبنانية من وضعية المراقبة إلى وضعية “التموضع الهادف”.

إن وجود وحدات المارينز والقطع البحرية المتطورة يمثل “نطاق الكبح” الذي يمنع انزلاق الميدان نحو صراع إقليمي، ويوفر في الوقت ذاته “منصة إسناد سيادي” تضمن تأمين المرافق الحيوية مثل المطار والمرافئ. هذه الحشود تعمل كضمانة لوجستية لخطط الجيش اللبناني في الانتشار، وتوجه رسالة حازمة بأن أي محاولة لإفشال المسار التفاوضي ستواجه بتدخل تقني يحمي مؤسسات الدولة الشرعية.

المعلومات الحقيقية من مدرجات المفاوضات تشير إلى أن الجولة الثالثة المرتقبة في منتصف أيار ستطرح لأول مرة “منطقة ترمب الاقتصادية”. هذا المشروع يتجاوز مفهوم إعادة الإعمار التقليدي نحو إنشاء “نطاق استثماري” في القرى الحدودية، يربط الأمن بالتنمية عبر استثمارات خليجية ودولية ضخمة. الخطة الأمريكية تهدف إلى خلق واقع اجتماعي واقتصادي يجعل من العودة إلى لغة الحرب خياراً مكلفاً، عبر تحويل الجنوب من جبهة عسكرية إلى قطب استثماري مرتبط بالأسواق الدولية، وهو ما تعتبره واشنطن “الممر الإلزامي” لاستقرار طويل الأمد.

بيد أن هذا الطموح يصطدم بـ “استراتيجية المراوغة الميدانية” التي تمارسها إسرائيل؛ حيث تستغل تل أبيب الهدنة لتثبيت مواقع تمركز محصنة داخل العمق اللبناني، محاولةً تحويل القرى الحدودية إلى “نطاقات أمنية متقدمة”. هذه التحركات تهدف إلى انتزاع تنازلات سياسية عبر “فرض واقع احتلالي مقنع” يضغط على طاولة المفاوضات.

في المقابل، تتبنى رئاسة الجمهورية والحكومة اللبنانية استراتيجية “ثبات الموقف السيادي”، حيث أبلغت واشنطن بأن انتشار الجيش النهائي مرتبط عضوياً بجدول زمني ملزم للانسحاب الإسرائيلي الشامل، مؤكدة أن “الشرعية الدولية” هي المرجعية الوحيدة لترسيم الحدود وحماية السيادة.

أما الموقف الداخلي، فيتسم بـ “المرونة الحذرة”؛ فبينما يبدي الثنائي الشيعي انفتاحاً على دور الدولة، فإنه يربط أي تنازل ميداني بضمانات وطنية تحمي لبنان من الأطماع الإسرائيلية. إن المحك الحقيقي للجولة الثالثة يكمن في قدرة إدارة ترمب على إلزام إسرائيل بالانكفاء العسكري الكامل خلف الحدود الدولية، وتفكيك حالة الازدواجية السلطوية في لبنان عبر تقوية المؤسسات الشرعية. إننا أمام مرحلة “الحسم السياسي”، حيث لم يعد الرهان على الهدنة فحسب، بل على قدرة الدولة اللبنانية على استثمار الزخم الدولي لانتزاع سيادتها وبدء حقبة جديدة من الاستقرار المبني على “حدود الدولة” النهائية والازدهار الاقتصادي المحمي بالشرعية.

https://hura7.com/?p=78229

الأكثر قراءة