الأكثر قراءة

لبنان: ثوابت السيادة ومآزق الارتهان

جريدة الحرة بيروت

بقلم : علي خليل ترحيني مدونة الكاتب علي خليل ترحيني

تترنح الدولة اللبنانية اليوم على حافة لحظة تاريخية فاصلة، حيث تتشابك الضغوط الدبلوماسية الدولية مع بارود الميدان، في مشهد يعيد صياغة مفاهيم السيادة الوطنية والشرعية الدولية. إن قراءة المشهد اللبناني في ظل التصعيد الراهن تتطلب نفاذًا إلى جوهر الصراع القائم حول ثنائية “الدولة والمقاومة”، وهي ثنائية لم تعد ترفًا فكريًا، بل أصبحت محددًا وجوديًا لمستقبل الكيان اللبناني برمته. ففي الوقت الذي تصدح فيه المنابر الدولية بضرورة تنفيذ القرارات الأممية، يبرز السؤال الجوهري حول ماهية هذه القرارات، وانتقائية تطبيقها، ومدى قدرتها على توفير الحماية الفعلية لبلد استُبيحت سيادته لعقود.

وحدة المصير مقابل ازدواجية المعايير

إن المنطلق الأساسي الذي يجب أن يحكم التحرك اللبناني هو مبدأ تلازم الالتزامات في القانون الدولي. فالقرار الأممي 1701 ليس صك استسلام لطرف واحد، بل هو التزام متبادل؛ لإسرائيل فيه شق قانوني ملزم بالانسحاب ووقف الخروقات واحترام السيادة، تماماً كما للبنان موجباته. إن القبول بتنفيذ الشق اللبناني مع التغاضي عن الانتهاكات الإسرائيلية يمثل تفريطاً بالحقوق الوطنية وضرباً لجوهر القرار الدولي نفسه.

وهنا تبرز المعضلة الداخلية؛ حيث تميل بعض القوى السياسية والسلطوية إلى تبني سرديات تتماهى مع الطروحات الخارجية، فتنظر إلى المقاومة كوكالة خارجية وتتعامل معها بمنطق “المهزوم”، متجاهلة أنها مكون لبناني أصيل يمثل وجدان وتضحيات شريحة واسعة من الشعب. إن خطورة هذا النهج تكمن في تقديم السردية الإسرائيلية على المصلحة الوطنية، والتعامل مع العدو كطرف يمكن مهادنته بينما يُعامل الشريك في الوطن كخصم، وهو ما يتنافى مع دروس التاريخ اللبناني المريرة التي أثبتت أن الرهان على الخارج وتهميش الداخل هو وصفة أكيدة للانفجار والانهيار.

اللبنانية فوق كل اعتبار

إن مواجهة العدوان تفرض الارتقاء بالانتماء الوطني فوق كل اختلاف سياسي. فمهما انقسمت الآراء حول الأسباب والمسببات، يبقى العدوان الإسرائيلي والمجازر المرتكبة اعتداءً على كل لبناني. إن القيم الإنسانية والمواطنة الحقّة تستوجب استنكاراً جامعاً لكل سلوك إسرائيلي، ولا يجوز تحت أي ظرف المساواة بين العدو التاريخي وبين أي شريك لبناني مهما بلغ حجم الخلاف معه.

هذا الوعي الجمعي هو الذي يجب أن يشكل خلفية الوفد اللبناني في أي مسار دبلوماسي أو مفاوضات لوقف الحرب. إن التفاوض من موقع القوة والكرامة الوطنية هو السبيل الوحيد لحفظ الحقوق؛ فالمهزوم ليس من دُمّرت قراه، بل هو من فقد إرادته وتمسكه بسيادته وثرواته. إن إسرائيل، برغم ترسانتها، تبقى مهزومة أمام وحدة الموقف اللبناني الذي يرفض التفريط بحبة تراب أو قطرة مياه، وأمام إرادة شعب يرى في سيادته حقاً غير قابل للمساومة.

الدولة كمعبر عن الإرادة الجامعة

إن السلطة السياسية في لبنان مطالبة اليوم بأن تكون صوتاً لكل اللبنانيين، لا صدى لمطالب القوى الدولية التي لا تبحث إلا عن أمن إسرائيل. إن بناء الدولة القوية يبدأ من الاعتراف بأن المقاومة فعل لبناني بامتياز، وأن أي نقاش حول السلاح أو الاستراتيجية الدفاعية هو شأن داخلي صرف يجب أن يُبحث بروح الشراكة والمصير الواحد، بعيداً عن منطق الإملاءات أو الاستقواء بالخارج.

إن التمسك باتفاقية الهدنة لعام 1949 يظل الحصن القانوني الأمتن، لأنه يثبت الحدود الدولية ويحمي الكيان من أطماع “المناطق العازلة” التي تهدف لقضم الأرض وتهجير السكان. إن لبنان القوي هو الذي يفاوض بعقل يجمع بين وحدة الموقف الرسمي وصلابة الميدان، مؤكداً أن “اللبنانية” هي المظلة التي تسمو فوق كل تبرير أو مسايرة لأي عدوان، وأن حقوق لبنان في أرضه وثرواته هي أمانة لا يملك أحد حق التنازل عنها تحت وطأة النار أو ضغوط التفاوض.

خلاصة الحلول وآفاق المستقبل

بناءً على ما تقدم، فإن الخروج من مأزق الضغوط الدولية يتطلب خارطة طريق ترتكز على:

■ تطبيق متوازن للقرارات الدولية: الإصرار على تنفيذ الالتزامات الإسرائيلية في القرار 1701 كشرط متزامن لأي ترتيبات على الجانب اللبناني.

■ تحصين الجبهة الداخلية: وقف كافة أشكال “الشيطنة” السياسية للمكونات الوطنية والعودة إلى حوار داخلي ينطلق من مبدأ وحدة المصير ورفض السرديات المعادية.

■ تفعيل المرجعية القانونية للهدنة: التمسك باتفاقية الهدنة لعام 1949 كإطار قانوني دولي يضمن الحدود السيادية الدائمة للبنان.

■ استراتيجية تفاوض سيادية: رفض منطق الهزيمة في الدبلوماسية، والاستناد إلى صمود الشعب اللبناني وثباته كأوراق قوة لفرض شروط تضمن الأمن المستدام للبنان، وليس للعدو فقط.

■ إن مستقبل لبنان رهن بقدرة قواه السياسية على إدراك أن القوة الحقيقية تنبع من التلاحم الوطني، وأن أي تسوية تُبرم على حساب السيادة أو الكرامة الوطنية لن تنتج إلا سلماً هشاً يمهد لصراعات قادمة. إن النصر الحقيقي هو التمسك بالحق، وهو ما يجسده اليوم إصرار اللبنانيين على حماية وطنهم من أي استباحة خارجية أو تشرذم داخلي.

الأكثر قراءة