
جريدة الحرة بيروت
بقلم : علي خليل ترحيني مٌدونة الكاتب علي خليل ترحيني
تفرض المستجدات الميدانية والسياسية في الجنوب اللبناني معادلة أمنية جديدة تتجاوز حدود التفاهمات التقليدية، لتضع الأطراف المعنية كافة أمام لحظة مفصلية تُعيد رسم حدود الأدوار والسياسات المتبادلة. إن انتقال المشهد الميداني إلى صيغة المناطق الأمنية التجريبية، بالتزامن مع التحركات السياسية على أعلى المستويات الرسمية، يمثل إعادة صياغة شاملة لقواعد الاشتباك وضوابط إدارة الأزمة، حيث تتحول التفاصيل الجغرافية والنقاط الحاكمة إلى أدوات ضغط مباشر ومحاور للتفاوض بالنار.
تعتمد الرؤية الاستراتيجية للعدو الإسرائيلي على تحويل التموضع الميداني إلى مسار غير محدد بسقف زمني، يمزج بين السيطرة الاستخباراتية والنارية المطلقة وبين التراجع التكتيكي في نقاط محددة. وتتطلع دوائر القرار في تل أبيب إلى جعل مرحلة انتشار القوات الرسمية اللبنانية بمثابة خطوة اختبارية للتحقق من القدرة على إنهاء أي وجود أمني أو عسكري غير رسمي في تلك المساحات. وفي هذا السياق، تبرز التلال والمرتفعات الاستراتيجية الحاكمة، وفي مقدمتها المرتفعات المطلة على النبطية وإقليم التفاح، كمركز ثقل عملياتي يسعى العدو الإسرائيلي من خلاله إلى فرض طوق محكم وإبقاء خيار العمل العسكري المباشر حاضراً، من خلال ربط أي تهدئة بالتحقق الميداني الصارم وفصل التفاهمات الميدانية عن المسارات الإقليمية الممتدة.
في المقابل، تستند رؤية الدولة اللبنانية ومؤسساتها الرسمية إلى ضرورة التأكيد على استعادة السيادة الوطنية الكاملة، وتثبيت مرجعية المؤسسات العسكرية والأمنية في إدارة المناطق كافة وفق ضوابط القانون والقرارات الدولية. ويسعى الموقف الرسمي إلى توظيف الالتزامات الدولية والدعم الخارجي لمنع تكريس أي واقع جغرافي اقتطاعي أو إبقاء الحظر على عودة الأهالي إلى القرى والبلدات الحدودية، مع التشديد على رفض تحويل الترتيبات المؤقتة إلى أمر واقع أمني يُقيد حركة الدولة أو يُخل بتوازنها الداخلي. وتتكامل هذه الرؤية مع مساعي المحافظة على التماسك الوطني عبر الحوار والتوافق ومنع الانزلاق نحو أي مواجهة داخلية.
أما على مستوى المقاومة، فإن القراءة الميدانية ترتكز على مواجهة محاولات تغيير القواعد الجغرافية والتكتيكية التي تحاول القوات الإسرائيلية فرضها عبر عمليات العزل القطاعي أو قصف الممتلكات والأنفاق والمواقع الميدانية. وتتعامل القوى الفاعلة مع المبادرات والتحركات الأمنية بوصفها محاولات مكشوفة لانتزاع مكاسب ميدانية وسياسية عجز العدو الإسرائيلي عن تحقيقها عبر المواجهة المباشرة، مع التأكيد على أن الميدان يظل المحدد الأساسي لأي مسار مستقبلي، وأن خيارات الرد والردع تبقى قائمة لمنع فرض أي أشرطة أمنية أو حرمان القرى الحدودية من مقومات وجودها البشري والعمراني.
خلاصة الاستراتيجيا والسيناريوهات المحتملة:
▪️︎ السيناريو الأول (تثبيت الصيغة الأمنية واستكمال الانتشار): يرتكز على نجاح خطة الانتشار الرسمي في البلدات والمناطق التجريبية مع توفير غطاء سياسي ودولي يسهم في فتح الطرقات وتسهيل عودة السكان، مما يقلل من خروقات العدو الإسرائيلي ويقود إلى تثبيت التهدئة تدريجياً.
▪️︎ السيناريو الثاني (التصعيد الميداني والعودة إلى العمليات العسكرية): يتمثل في استمرار العدو الإسرائيلي بفرض الطوق الناري وعمليات النسف والتجميع العسكري في النقاط الحاكمة مثل تلة علي الطاهر والمناطق المتاخمة للحدود، مما يؤدي إلى ردود ميدانية تستتبع توسيع بنك الأهداف الإسرائيلي واستهداف البنى التحتية، وبالتالي انهيار الترتيبات المؤقتة والعودة إلى التصعيد الشامل.
▪️︎ السيناريو الثالث (الجمود المعقد والقضم التدريجي): يقوم على إبقاء الوضع في حالة لا سلم ولا حرب، حيث يحافظ العدو الإسرائيلي على التفوق الناري والمراقبة الجوية وفرض قيود على القرى العميقة والخطوط الحدودية، بالتوازي مع حركة تقييد مرنة للجيش اللبناني، مما يجعل المناطق الجنوبية في حالة نزيف هادئ وضغط سياسي متواصل على بيروت.


