
جريدة الحرة ـ بيروت
بقلم إسطيفان يلدز
في لبنان اليوم، لم يعد السؤال الأساسي هو كم يبلغ راتب المواطن، بل ماذا يستطيع هذا الراتب أن يؤمّن لعائلته. فبعد سنوات من الأزمة الاقتصادية والانهيار النقدي، أصبحت الحياة اليومية معركة حسابات دقيقة: إيجار، كهرباء، مدرسة، بنزين، طبابة، وغذاء. وبينما تحاول المؤشرات المالية الحديث عن استقرار نسبي، يبقى المواطن أمام واقع مختلف: دخل لا يزال عاجزًا عن مواكبة كلفة الحياة.
إذا أخذنا نموذج عائلة لبنانية متوسطة من أربعة أفراد، فإن صورة المصاريف الشهرية تظهر حجم الفجوة بين الدخل والحاجات الأساسية.
السكن: بين 400 و700 دولار شهريًا
العائلة التي لا تملك منزلًا تحتاج إلى دفع بدل إيجار. وفي مدينة متوسطة أو ضاحية مقبولة، يتراوح إيجار شقة عائلية بين نحو 400 و600 دولار شهريًا، وقد يرتفع إلى 700 دولار أو أكثر في المناطق الأقرب إلى بيروت أو الأفضل خدماتيًا.
الكهرباء والاتصالات: فاتورة لا تقل عن 200 دولار شهريًا
المواطن اللبناني يدفع عمليًا فاتورتين للكهرباء: فاتورة مؤسسة كهرباء لبنان، إضافة إلى اشتراك المولد الخاص. وبالنسبة لعائلة متوسطة، قد تصل كلفة الكهرباء بين 130 و250 دولارًا شهريًا بحسب الاستهلاك. أما الإنترنت والهاتف، فتحتاج الأسرة إلى نحو 60 إلى 100 دولار شهريًا بين اشتراكات الإنترنت والتعبئة أو الفواتير الخليوية.
المواصلات: 150 إلى 300 دولار شهريًا
العامل اللبناني الذي يملك سيارة يدفع ثمن البنزين والصيانة والتأمين. وقد تبلغ كلفة الوقود وحده نحو 50 إلى 100 دولار شهريًا لموظف يستخدم سيارته يوميًا، وترتفع الكلفة الفعلية مع الصيانة والتأمين إلى 150 أو 200 دولار. أما النقل المشترك، فقد يكلف الموظف شهريًا، نحو 150 أو 300 دولار بحسب عدد العاملين والمسافات.
التعليم: أكبر فاتورة بعد السكن
العائلة التي لديها ولدان في مدرسة خاصة متوسطة المستوى تواجه كلفة سنوية قد تتراوح بين 8 آلاف و14 ألف دولار عند احتساب الأقساط والكتب والقرطاسية والزي والنقل. وهذا يعني أن الأسرة تحتاج إلى ما يعادل نحو 700 إلى 1,200 دولار شهريًا إذا قسمت كلفة التعليم على مدار السنة. التعليم، الذي كان يعتبره اللبنانيون طريقًا للارتقاء الاجتماعي، أصبح اليوم أحد أكبر مصادر الضغط المالي على الطبقة المتوسطة.
الصحة والتأمين: 150 إلى 250 دولارًا شهريًا
في ظل ارتفاع كلفة الاستشفاء والأدوية، تحتاج الأسرة التي تعتمد على التأمين الصحي الخاص إلى نحو 150 إلى 250 دولارًا شهريًا تقريبًا، وقد تزيد الكلفة بحسب مستوى التغطية والأعمار والحالات الصحية.
الغذاء والاحتياجات المنزلية: 600 إلى 900 دولار شهريًا
حتى مع ضبط المصاريف، تحتاج عائلة من أربعة أفراد إلى مالايقل عن 600 دولار شهريًا للمواد الغذائية والمنظفات والاحتياجات اليومية. وقد ترتفع الفاتورة أكثر مع اللحوم والأدوية والمصاريف الطارئة.
الإجازة أصبحت رفاهية
حتى الإجازة السنوية لم تعد بندًا طبيعيًا في ميزانية الأسرة. فرحلة عائلية بسيطة إلى الخارج لمدة أسبوع قد تحتاج إلى 3 آلاف أو 5 آلاف دولار، وهو مبلغ يفوق قدرة عدد كبير من الأسر التي تستهلك معظم دخلها في المصاريف الأساسية.
كم تحتاج الأسرة إذن؟
عند جمع الحد الأدنى من هذه المصاريف: نصل إلى رقم يقارب 2,700 إلى 3,000 دولار شهريًا لعائلة متوسطة في مدينة لبنانية، وذلك قبل احتساب الملابس، والترفيه، والطوارئ، أو أي قدرة على الادخار. في المقابل، فإن شريحة واسعة من الموظفين اللبنانيين، حتى من حملة الشهادات الجامعية، لا تزال مداخيلهم بعيدة عن هذا المستوى. فالموظف الحكومي الجامعي قد يتقاضى في كثير من الحالات دخلًا يتراوح تقريبًا بين 500 و900 دولار شهريًا، وقد تزيد المداخيل في بعض المواقع والوظائف، لكنها تبقى أقل من كلفة الحياة الطبيعية لعائلة.
المشكلة اللبنانية اليوم ليست فقط في ارتفاع الأسعار، بل في انهيار التوازن بين الراتب والحاجات.


