الأكثر قراءة

لبنان: صراع السيادة والوجود

جريدة الحرة بيروت

بقلم : علي خليل ترحيني مدونة الكاتب علي خليل ترحيني

بين مطارق التحولات الجيوسياسية وسندان المشاريع الإقليمية الوافدة، يقف لبنان اليوم في لحظة وجودية تتجاوز في خطورتها كل ما شهده الكيان منذ نشأته. إن القراءة المتأنية للمشهد اللبناني الراهن لا يمكن أن تستقيم إلا من خلال تفكيك الخطابات السياسية المتصارعة، ووضعها في سياقها التاريخي والوجداني، بعيداً عن السطحية والآنية، وصولاً إلى استشراف مآلات الصراع الذي بات يهدد بتغيير وجه المنطقة وتفكيك جغرافيا الإنسان والأرض.

تتوزع الأوساط اللبنانية المعارضة لسياسات حزب الله بين توجهات تتباين في حدتها وتلتقي في هواجسها؛ فهناك خطاب يتبنى قطيعة جذرية وصلت في بعض مفاصلها إلى حدود العداء الصرف، متمنياً انكسار الحزب مهما كان الثمن، وهو خطاب يغفل في غمرة غضبه المآسي الإنسانية والاجتماعية التي تصيب بيئة لبنانية أصيلة هي جزء لا يتجزأ من النسيج الوطني. وفي المقابل، يبرز خطاب يرتكز على مرجعية الدولة، محاولاً تحميل المسؤولية الكبرى في استدراج الحرب لطرف داخلي، لكنه في الوقت عينه يدرك بشاعة العدوان الإسرائيلي المتواصل، ويطالب باستعادة قرار الحرب والسلم كشرط ناظم للسلم الأهلي والسيادة. وهناك توجه ثالث يقرأ المشهد كجزء من مشروع توسع إسرائيلي يهدف لفرض سطوة سياسية بواسطة الاحتلال العسكري، لخلق واقع إقليمي جديد يفاوض فيه المحتل من موقع القوة، وهو ما يستدعي بلورة موقف وطني من عدوانية تهدف إلى رسم “شرق أوسط جديد” على أنقاض السيادات الوطنية.

في موازاة هذه القراءات، يبرز خطاب يرى في الدفاع عن الأرض فعلاً تأسيسياً للوجود وليس مجرد خيار سياسي أو استدراج لمبررات. ينطلق هذا الخطاب من حقيقة أن لبنان، رغم التزامه بالقرارات الدولية وتحديداً القرار 1701، وجد نفسه أمام طرف آخر استمر في انتهاكاته الميدانية والسيادية لمدة تجاوزت العام، مستخدماً ميكانيزمات دولية منحازة وتفسيرات مطاطة لتبرير حربه. إن هذا المنطق يرى أن مقاومة المحتل هي ضرورة وجودية تتجاوز الاستئذان الإجرائي ما لم تقم المؤسسات الرسمية بدورها الجوهري في التصدي للعدوان، معتبراً أن ما جرى هو محاولة لإعادة الردع اللبناني في وجه مشروع إبادة وتشريد لا يتوقف عند حدود غزة، بل يتمدد لتمزيق الجغرافيا اللبنانية وفرض شروط إذعان مهينة.

إن المراجعة العميقة لهذه الخطابات تكشف عن مساحة مشتركة خفية، تتجلى في الشعور الجماعي بتهديد الكيان، وإن اختلفت السبل في تشخيص الداء أو وصف الدواء. فالعدوانية الإسرائيلية المتدحرجة، التي يتفاخر قادتها علانية بالسعي لشرق أوسط جديد، لا تميز بين طائفة وأخرى أو بين موالٍ ومعارض، بل تستهدف لبنان كصيغة وكدور وكموقع. إن تغليب لغة الاتهام الداخلي في لحظة اشتعال الحرائق الإقليمية يخدم موضوعياً تلك المشاريع التي تسعى لتفكيك المناعة الوطنية، ويجعل من لبنان ساحة مستباحة لتصفية الحسابات الكبرى على حساب دماء أبنائه واستقرارهم.

إن الصراع الدائر اليوم هو صراع على هوية المنطقة ومستقبل شعوبها، حيث تُنتهك النواميس الدولية ويُضرب بمبدأ السيادة عرض الحائط تحت ذريعة “الأمن الاستباقي”. إن محاولات فرض واقع إقليمي جديد بقوة الحديد والنار لن تمر فوق إرادة إنسانية ترفض الإذعان والتهجير، وهنا تكمن أهمية الأصالة في التمسك بالحق التاريخي كأساس للعبور نحو مستقبل سيادي حقيقي. إن العبور نحو مرحلة الاستقرار لا يمر عبر تصفية الحسابات الداخلية، بل عبر صياغة رؤية استراتيجية توحد الطاقات الوطنية وتواجه الأطماع التوسعية التي تهدف إلى قضم الأرض وتغيير الديموغرافيا اللبنانية.

يبقى لبنان عصياً على الإلغاء ما دامت روح التنسيق والحوار الوطني هي المرجعية في مواجهة الأخطار الكبرى. إن اللحظة التاريخية الراهنة تفرض تجاوز السجالات العقيمة والارتقاء إلى مستوى التحدي الوجودي الذي يفرضه العدو الصهيوني بمشاريعه العابرة للحدود. إن انتصار لبنان الحقيقي يكون في قدرته على الحفاظ على نسيجه الاجتماعي وصون أراضيه، والتمسك بالسيادة المطلقة كفعل إرادة جماعية ترفض الارتهان للخارج أو الانكسار أمام جبروت القوة العسكرية. إن صيرورة الدولة ومناعتها تبدأ من الوعي المشترك بأن استهداف أي مكون أو منطقة هو استهدف لقلب لبنان وتاريخه ومستقبله.

https://hura7.com/?p=76564

الأكثر قراءة