جريدة الحرة بيروت
بقلم : كارين القسيس مدونة الكاتبة كارين القسيس

تأتي ذكرى استشهاد دولة الرئيس رفيق الحريري هذا العام بعد أسبوع من زيارة قائد الجيش رودولف هيكل إلى الولايات المتحدة، حيث سأله السيناتور ليندسي غراهام صراحةً إن كان يعتبر “حزب الله” تنظيماً إرهابياً في السياق اللبناني، فجاء الجواب “بالنفي القاطع”.
نفي بارد في حضرة دم لم يجفّ بعد، وفي حضرة وطن لم يشفَ من زلزال اغتيالك.
نعم يا دولة الرئيس، إنّ المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، التي موّلها اللبنانيون من أقواتهم طلباً للحقيقة أدانت سليم عياش بارتكاب الجريمة الإرهابيّة. فالقانون واضح بأنّ المحكمة تُدين أفراداً لا أحزاباً، لكن الحقيقة السياسيّة أوضح من أن تُوارى خلف نصوص تقنيّة، فالفاعل لم يكن شبحاً، والجريمة لم تكن قدراً أعمى. ومع ذلك، يُراد للبنانيين أن يبتلعوا توصيفاً مخففاً لجريمة هزّت الكيان، وكأنّ الإرهاب يصبح رأياً، والاغتيال مجرّد نوبة قلبيّة.
نعم يا دولة الرئيس، باستشهادك تعطّل محرّك الدولة، وتوقّف مشروع الإعمار، وانكفأ الاستثمار، وتحوّل الأمل الذي زرعته إلى حنين يتيم. إذ كنت رافعة الاقتصاد وصمّام الأمان في توازناته، فلما غبت، اختلّت المعادلة، وسقط السقف فوق رؤوس الجميع.
وبغيابك يا رفيق، تهاوى مفهوم العيش المشترك من مقام الشراكة إلى هامش الشعار، حيثً بات التلويح بالحرب الأهلية خطاباً عادياً، والسلاح غير الشرعي أمراً واقعاً لا يستحي أصحابه من تبريره. أمّا الفراغ الذي خلّفته في تمثيل لبنان عربياً ودولياً، فبقي فراغاً مدوّياً، لم تملأه رئاسات، ولا حكومات، ولا بيانات خشبية.
لعلّه قدر اللبنانيين أن يُمتحنوا بالخذلان كلما لاحت بارقة دولة، لكن الأوطان لا تُبنى بالاستسلام لفكرة القدر، إنّما بمواجهة الحقيقة كاملة غير منقوصة.
أمّا أنتم يا دولة الرئيس سعد الحريري، أخطأتَ كما يخطئ سواك، فليس في الحكم ملائكة، غير أنّ اللحظة اليوم ليست لحسابات الأمس، إنّما لاختبار القدرة على استعادة مشروع الدولة، دولة السيادة، والعدالة، والمؤسسات. فالعودة “اإن كانت” فلتكن استعادةً للنهج لا تكراراً للخيبة، وبناءً لما تصدّع لا تدويراً للانكسار.
اليوم، لم تعد الحقيقة لغزاً، فالحقيقة ثابتة في الأحكام والوقائع والذاكرة الجماعية. وما يطلبه اللبنانيون ليس سوى عدالةً كاملةً غير مجتزأة، لا تخضع لموازين القوى ولا تُساوم على الدم.
نعم يا دولة الرئيس الشهيد، العدالة آتية. وإن تأخّرت، فلن تسقط بالتقادم، لأنّ دمك صار جزءاً من ضمير وطن.


