جريدة الحرة ـ بيروت
بقلم: علي خليل ترحيني مدونة الكاتب علي ترحيني

يواجه الكيان اللبناني في المرحلة الراهنة استحقاقاً وجودياً يتخطى التوصيفات التقليدية للأزمات الدورية، لينفذ إلى صلب الفلسفة التي قام عليها العقد الاجتماعي القائم. إن ما نشهده اليوم ليس مجرد اضطراب في موازين القوى أو تعثراً في الأداء المؤسساتي، بل هو انكفاء بنيوي لنموذج استنفد طاقته على الاستمرار، نموذج قام تاريخياً على مأسسة الهويات الفرعية على حساب الهوية الوطنية الجامعة. هذا التراجع الحاد في فاعلية الأطر التقليدية أفسح المجال لبروز وعي مجتمعي جديد، يتجاوز الاصطفافات العمودية ليبحث عن صياغة عقدية تقوم على المواطنة الفاعلة، حيث لا تعود الدولة مجرد ساحة لتوزيع الحصص، بل تصبح هي الغاية والضمانة والناظم الوحيد للعلاقة بين المكونات.
إن الانتقال من منطق “الوفاق الطائفي” الذي اتسم في كثير من الأحيان بجمود القرار الوطني، إلى منطق “السيادة المؤسساتية” هو المسار الحتمي الوحيد لضمان ديمومة الكيان. هذا المسار يتطلب قراءة معمقة لصيرورة التحولات الاجتماعية التي تجتاح الفضاء العام، حيث بدأت النخب المهنية، والقطاعات النقابية الحرة، والحركات الفكرية، في صياغة خطاب سياسي جديد يرتكز على وحدة المصالح الحياتية. إن هذه القوى لا تسعى لإقصاء أحد، بل تهدف إلى إعادة الاعتبار لمفهوم الكفاءة والنزاهة كمعايير وحيدة لتولي الشأن العام. إن وحدة المعاناة الاقتصادية والاجتماعية التي لم تستثنِ أحداً، أثبتت أن التحديات الكبرى لا تفرق بين مكون وآخر، مما يفرض بالضرورة تنسيقاً وطنياً شاملاً يرتفع فوق التجاذبات الضيقة، ليعزز من هيبة الدولة واستقلاليتها في اتخاذ القرار.
إن إعادة تعريف العلاقة بين الفرد والدولة تتطلب شجاعة فكرية في مقاربة المسائل الجوهرية. فالدولة المدنية التي نطمح إليها ليست مجرد هيكل إداري، بل هي حالة شعورية وقانونية تضمن حقوق الفرد بصفتها حقوقاً أصيلة لا تُستجدى عبر الوساطات. إن حيوية المجتمع، بطاقاته الشبابية والمهنية، تمثل المستنهض الحقيقي للهمة الوطنية في هذه اللحظة الفارقة. هذه الفئات تعيد اليوم رسم ملامح الوعي الجمعي، متجاوزةً الانغلاق الفئوي نحو رحابة الانتماء الوطني. والرهان الحقيقي هنا يكمن في قدرة هذه الديناميكيات الصاعدة على تحويل زخمها الفكري إلى برامج عمل وطنية عابرة للحدود المناطقية، ترتكز على رؤية اقتصادية منتجة وسياسة وطنية تضع مصلحة الكيان فوق كل اعتبار.
إن بناء الدولة القوية والمستقلة يتطلب بالضرورة رصّ الصفوف حول مفاهيم الاستقرار والكرامة الإنسانية. وهذا لا يتأتى إلا من خلال حوار وطني هادئ ومسؤول، يبتعد عن لغة التحدي أو الاتهام، ويركز على القواسم المشتركة التي تجمع بين أبناء الوطن الواحد. إن تعزيز السيادة يبدأ من الداخل، عبر تحصين المؤسسات الرقابية والقضائية، وضمان استقلاليتها التامة عن أي تدخلات قد تعيق دورها في حماية القانون. إن الشفافية في إدارة موارد الدولة ليست مجرد مطلب إداري، بل هي فعل سيادي بامتياز، لأنها تعيد الثقة بين المواطن ودولته، وتجعل من الانتماء للوطن قيمة مضافة وليس عبئاً.
أما بالنظر إلى آفاق المستقبل، فإن الحلول العامة تتلخص في ضرورة صياغة منظومة تشريعية حديثة تنبثق من روح الدستور وتواكب طموحات الأجيال القادمة. يجب العمل على إرساء قواعد قانونية توحد المواطنين أمام القانون دون وسيط، مما يعزز من تماسك النسيج الاجتماعي. إن العبور نحو مرحلة الاستقرار المستدام يستوجب تبني سياسات اقتصادية تقوم على الإنتاج والإبداع، واستثمار العقل اللبناني الذي أثبت تفوقه في كافة الميادين العالمية.
وبالنسبة للخصوصية اللبنانية وحل العقد المعاصرة، فإن الرؤية المستقبلية تقتضي تفعيل اللامركزية الإدارية الموسعة كأداة للتنمية والإنصاف، مما يسمح للمناطق بتطوير قدراتها الذاتية ضمن إطار الدولة الموحدة، ويخفف من حدة الصراعات المركزية على السلطة. كما يتطلب الأمر التوافق على قانون موحد للأحوال الشخصية كخطوة رمزية وعملية لتعزيز الرابطة الوطنية وتجاوز الحواجز النفسية. إن لبنان القوي هو لبنان الذي يتسع لجميع أبنائه، حيث تكون الدولة هي الملاذ والملجأ، وحيث يبنى الاستقرار على التفاهم والتنسيق المستمر بين كافة المكونات، بعيداً عن منطق الغالب والمغلوب، وصولاً إلى وطن تسوده العدالة، وتصان فيه السيادة، ويتحقق فيه الازدهار بجهود أبنائه المخلصين الملتزمين بقيم الأصالة والعبور نحو غدٍ أفضل.


