الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

لبنان ـ أفق المشاركة وبناء الدولة: المرأة والتحولات السلوكية في المجال السياسي اللبناني

جريدة الحرة ـ بيروت

بقلم: علي خليل ترحيني مدونة الكاتب علي ترحيني

تنبثق مسألة التمثيل السياسي للمرأة في لبنان من صلب الإشكالية البنيوية التي تحكم صيرورة الدولة ومؤسساتها، حيث لا يمكن قراءة واقع المشاركة النسائية بمعزل عن النواميس التي تحكم النظام السياسي القائم وتوازناته الدقيقة. إن تعثر وصول المرأة إلى مراكز القرار السيادي لا يمثل مجرد خلل في موازين القوى بين الجنسين، بل هو انعكاس عميق لقصور في اكتمال مفهوم المواطنة الحديثة التي تتجاوز الانتماءات الضيقة نحو الولاء الوطني الجامع.

إن القراءة الفاحصة للقانون الانتخابي الحالي، بما يحمله من تعقيدات تقنية وصبغة نسبية مشروطة بضوابط طائفية، تكشف عن بنية تكرس الواقع القائم أكثر مما تفتح آفاق التغيير، إذ تظل اللوائح الانتخابية محكومة بمنطق المحاصصة الذي يميل بطبعه نحو إعادة إنتاج الرموز التقليدية، مما يضعف فرص الكفاءات الطليعية في اختراق هذا الجدار الصلب. هذا الواقع يفرض ضرورة ملحة لمراجعة العقد الاجتماعي السياسي، والتحول من مفهوم المشاركة الرمزية التي تبتغي تجميل صورة المشهد، إلى الحضور الفاعل والمؤثر في صياغة السياسات الوطنية العليا، حيث تصبح العدالة التمثيلية ركيزة أساسية لاستعادة الحيوية لمؤسسات الدولة.

إن الأزمة التي يعيشها الفضاء العام اللبناني تتجاوز النصوص التشريعية لتمس جوهر العلاقة بين الفرد والسلطة، وهي علاقة أصيبت بتصدعات عميقة أدت إلى حالة من الاغتراب السياسي، لاسيما بعد التحولات الكبرى التي أعقبت عام ألفين وتسعة عشر. لقد أنتجت تلك الحقبة وعياً نقدياً جديداً لدى الناخب اللبناني، حيث تراجعت الولاءات التقليدية أمام الحاجة الملحة للأمان الاقتصادي والاجتماعي، وبات المواطن ينظر إلى المؤسسات الدستورية بمنظار الارتياب، باحثاً عن بدائل وطنية تعيد للاستقلال معناه وللسيادة هيبتها.

في هذا المخاض العسير، تبرز فرصة تاريخية للمرأة اللبنانية وللقوى الساعية نحو التحديث لفرض معادلة جديدة تقوم على النزاهة والقدرة العلمية، بعيداً عن منطق الاصطفافات التي استنزفت مقدرات البلاد. إن تحويل الاستياء الشعبي من الأداء العام إلى قوة سياسية منظمة يتطلب رؤية استراتيجية تؤمن بأن بناء الدولة يبدأ من الاعتراف الكامل بكافة مكوناتها البشرية، واعتبار تمكين المرأة جزءاً لا يتجزأ من مشروع النهوض الوطني الشامل الذي يهدف إلى بسط سلطة القانون وتعزيز مرجعية المؤسسات الشرعية كخيار وحيد للاستقرار والنمو.

تتجلى العوائق الاجتماعية كأحد أكثر التحديات تعقيداً، كونها تتغذى من موروثات تربط الزعامة بأنماط وراثية أو تقليدية تهمش دور المرأة وتحصره في أطر خدمية أو اجتماعية ضيقة، بعيداً عن الملفات السيادية والأمنية والاقتصادية التي تشكل عصب الدولة.

هذا الإقصاء الممنهج لا ينتقص من حقوق المرأة فحسب، بل يحرم الدولة من طاقات فكرية وإدارية قادرة على تحديث المرافق العامة وتحويلها إلى أجهزة منتجة تخضع لمعايير الجدارة والكفاءة. إن استعادة الثقة بالسلطة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمدى انفتاح الفضاء السياسي على وجوه جديدة لم تكن جزءاً من صراعات الماضي، مما يساهم في خلق مناخ من الحوار البناء والتنسيق الوطني المشترك بين كافة المكونات، بعيداً عن لغة الاتهام أو التحدي التي لا تخدم سوى استمرار حالة الشلل المؤسساتي. إن التربية الوطنية التي تعلي من شأن المساواة والمواطنة هي المنطلق الحقيقي لثورة فكرية تحمي الحقوق وتؤسس لإدارة حديثة تحترم التنوع وتؤمن بالديمقراطية كنهج وحيد لتداول السلطة وحفظ السلم الأهلي.

لقد كشفت التحولات السلوكية في المجتمع اللبناني عن ميل فطري لدى الأجيال الجديدة نحو دعم البرامج السياسية القائمة على الحلول العلمية والعملية، وهو ما يشير إلى تآكل تدريجي في العصبية السياسية لصالح الولاء للوطن. ومع ذلك، يظل النظام الانتخابي الحالي، بتركيبته التي تراعي التوازنات الحساسة على حساب صحة التمثيل، عائقاً أمام ترجمة هذه التحولات إلى كتل برلمانية قادرة على إحداث خرق حقيقي في بنية القرار.

إن بناء دولة القانون يتطلب شجاعة في مراجعة آليات الاقتراع والدوائر الانتخابية لضمان حرية الاختيار المطلقة، بعيداً عن أي ضغوط قد تؤثر على إرادة الناخب. إن هذا المسار الإصلاحي هو الكفيل بإعادة الاعتبار للعمل السياسي كفعل وطني نبيل يسعى لتحقيق الصالح العام، وهو الضمانة الأساسية لبناء مجتمع متوازن يحقق فيه الفرد طموحه في ظل حماية الدولة ورعايتها، حيث تصبح السيادة والقرار الحر نتاجاً لجبهة داخلية متماسكة تشعر فيها المرأة والشباب بأنهم شركاء أصيلون في رسم المصير المشترك.

إن الحلول المستقبلية لأزمة التمثيل وبناء الدولة في لبنان يجب أن تنبثق من رؤية شاملة تتجاوز المعالجات الموضعية نحو إصلاح بنيوي عميق. أولاً، لا بد من إقرار منظومة قوانين عصرية تتضمن آليات تحفيزية واضحة تضمن تكافؤ الفرص في الوصول إلى البرلمان والمناصب السيادية، بما يكسر الاحتكار التقليدي للقرار السياسي.

ثانياً، يجب العمل على استعادة الثقة من خلال إجراءات ملموسة تعيد للمرفق العام شفافيته وتفعل أدوات المحاسبة والرقابة، مما يخلق بيئة جاذبة للكفاءات النسائية والشبابية. ثالثاً، تعزيز الثقافة السياسية المنفتحة عبر حوار وطني شامل يسعى للوصول إلى تفاهمات كبرى تضع مصلحة لبنان العليا فوق أي اعتبار آخر، وتؤسس لمستقبل يسوده العدل وتكافؤ الفرص.

إن التاريخ يؤكد أن المجتمعات التي أشركت كافة طاقاتها في الحياة العامة كانت الأكثر صموداً في وجه الأزمات والأكثر قدرة على تحقيق الازدهار. إن لبنان، بما يملكه من إرث حضاري، مؤهل ليكون نموذجاً في الحداثة السياسية، شريطة أن تتحرر الإرادة الوطنية من قيود الماضي وتتجه نحو بناء غد مشرق يتسع للجميع، حيث تظل الدولة هي الملاذ والضمانة، والمؤسسات هي المرجع، والمواطنة هي الرابط المقدس الذي يجمع اللبنانيين على طريق النهضة والتقدم.

https://hura7.com/?p=74526

الأكثر قراءة