جريدة الحرة بيروت
بقلم : علي خليل ترحيني مدونة الكاتب علي خليل ترحيني

تتجاوز التحديات الوجودية التي تعصف بلبنان في اللحظة الراهنة حدود الأزمات البنيوية المعتادة، لتضعه في قلب زلزال جيوسياسي يعيد رسم ملامح الشرق الأوسط عبر صراع إرادات دولية وإقليمية كبرى. إن ما نشهده اليوم ليس مجرد مواجهة عسكرية محدودة، بل هو مخاض عسير لولادة نظام إقليمي جديد، تسعى من خلاله القوى العظمى وحلفاؤها إلى تقويض نفوذ القوى المقابلة والسيطرة على مقدرات المنطقة الحيوية، وفي مقدمتها الطاقة والممرات الإستراتيجية. في هذا السياق، يبرز العدوان المستمر على لبنان كمحاولة لفرض واقع ميداني جديد يهدف إلى عزل أجزاء من الوطن تحت ذرائع أمنية، مما يضع السيادة الوطنية والوحدة الجغرافية في مواجهة مباشرة مع طموحات التوسع والهيمنة.
إن هذا الصراع الوجودي الذي تشهده المنطقة، والمحكوم بمنطق الميدان وتوازنات الردع، ينعكس مباشرة على الساحة اللبنانية التي تعاني من انقسام حاد في الرؤى والخيارات السياسية. إن الارتباط العضوي بين نتائج المواجهات العسكرية والمفاعيل السياسية والاجتماعية والاقتصادية، يفرض على المكونات اللبنانية إدراك خطورة اللحظة التاريخية؛ فالمخططات التي تسعى لتحويل المنطقة إلى ساحات نفوذ مغلقة تتطلب وعياً وطنياً يتجاوز الحسابات الضيقة. إن تحصين لبنان في وجه محاولات القضم الميداني أو التفتيت السياسي لا يتم إلا من خلال استعادة هيبة الدولة وتفعيل مؤسساتها الدستورية، لتكون هي المظلة الحامية والناطق الوحيد باسم المصالح العليا للشعب اللبناني في المحافل الدولية.
تتطلب مواجهة تداعيات هذا “الشرق الأوسط الجديد” صياغة رؤية دبلوماسية ووطنية صلبة، ترفض تحويل لبنان إلى مجرد “منطقة عازلة” أو ساحة لتصفية الحسابات الدولية. إن الحل يكمن في تغليب منطق الحوار الداخلي والتنسيق الوثيق بين كافة القوى الحية للوصول إلى تفاهمات تحمي الهوية الوطنية وتصون الاستقلال. إن بناء دولة قوية، قادرة على فرض سيادتها وحماية حدودها وتعزيز صمود مواطنيها اقتصادياً واجتماعياً، هو الرد الوحيد الناجع على مشاريع الهيمنة. إن مستقبل لبنان رهن بقدرته على اجتراح الحلول من رحم المعاناة، والتمسك بالحقوق المشروعة في العيش الكريم ضمن دولة سيدة ومستقلة، بعيداً عن صراعات المحاور التي تهدد بابتلاع الكيانات الصغيرة في دوامة النزاعات المفتوحة.


