جريدة الحرة بيروت
بقلم : علي خليل ترحيني مدونة الكاتب علي خليل ترحيني

تطل السكينة على بيوت غادرها أهلها قسراً، لكنها لا تطل على أرواح استوطنها القهر وهي ترى فلذات أكبادها مشردين في زوايا مراكز الإيواء، حيث يفترش الوجع الأرض ويلتحف الصمت سماءً لا تمطر إلا حيرة. إن مشهد النازح اللبناني في وطنه، وهو ينتقل من سعة الدار إلى ضيق الحرمان، يمثل جرحاً غائراً في وجدان الهوية، وتحولاً تراجيدياً يحول الإنسان من صانع للحضارة إلى باحث عن أبسط مقومات البقاء. هذا الوجع ليس مجرد شعور عابر، بل هو صرخة مكتومة في حنجرة التاريخ، تنادي بإنصاف من ضحوا بكل شيء ولم يجدوا من دولتهم إلا وعوداً جوفاء وخططاً لا تسمن ولا تغني من جوع. إن كرامة اللبناني ليست سلعة في سوق المقايضات، بل هي المبتدأ والخبر في ميثاق الوجود، وأي محاولة لتجاهل هذا الواقع المعيشي تحت ذرائع تقنية هي طعنة في خاصرة التضامن الاجتماعي الذي يجب أن يسود بين مكونات هذا الوطن في لحظاته المصيرية.
في ظل هذا الانكسار الوجداني، تبرز قرارات وزارة التربية ومجلس الوزراء ككيانات منفصلة عن أنين الناس، حيث تُطرح “خطة التعليم عن بُعد” وكأنها ترياق لواقع لا يملك أدنى مقومات الاتصال أو الاستقرار. إن الإصرار على التعليم عبر الفضاء الرقمي في وقت يفتقر فيه النازح والمقيم إلى الإنارة، والتدفئة، والمرافق الصحية اللائقة، يمثل انفصاماً سياسياً وإدارياً غير مسبوق. فكيف لمشرف على مركز إيواء أو مدير مدرسة تحولت قاعاتها إلى مساكن لآلاف المهجرين، أن يتحدث عن منصات رقمية بينما الرطوبة تنخر العظام والجوع ينهش الأمعاء؟ إن الميزانيات المرصودة لمشاريع تكنولوجية في زمن الكوارث الميدانية هي تبديد للثروة الوطنية، وتفريط بالأمانة الأخلاقية التي تحتم توجيه كل قرش نحو ترميم الإنسان قبل تحديث الآلة.
من هنا، يبرز التساؤل الجوهري حول جدوى التحرك الميداني لمديري المدارس والمشرفين على مراكز الإيواء. إن هؤلاء الكوادر هم الشهود العيان على المأساة، وهم الأقدر على صياغة “كتاب مفتوح” موحد، لا يحمل صبغة التحدي العبثي، بل يجسد صرخة الحق في وجه باطل الإدارة. يجب أن يكون هذا الكتاب وثيقة تاريخية ترفض بوضوح قاطع تحويل التعليم إلى عملية وهمية عبر الشاشات، وتطالب فوراً بتحويل الاعتمادات المالية المخصصة لخطط “الأونلاين” الفاشلة نحو إعادة تأهيل المرافق الصحية والغذائية داخل المدارس التي أصبحت بيوتاً مؤقتة. إن هذا التحرك ليس تمرداً، بل هو استعادة لدور المؤسسة التربوية كحامية للمجتمع، وتأكيد على أن الأولوية القصوى هي لصحة الطالب وكرامة النازح، فالعقل السليم لا ينمو إلا في جسد نال حظه من الرعاية الإنسانية الأساسية.
تتحمل وزارة التربية، ومن خلفها مجلس الوزراء مجتمعاً، المسؤولية الكاملة عن هذا التخبط. إن الإصرار على سياسة النعامة وتجاهل الواقع الميداني يعكس عجزاً في الرؤية الاستراتيجية وغياباً للمسؤولية الوطنية. إن تجميد الميزانيات في أدراج المشاريع الوهمية بينما تفتقر مراكز الإيواء لشبكات الصرف الصحي السليمة أو لمطابخ قادرة على توفير وجبة كرامة واحدة يومياً، هو جريمة إدارية تستوجب المحاسبة. الدولة ليست مجرد مصدر للقرارات الورقية، بل هي الراعية لحقوق مواطنيها، وأولى هذه الحقوق هي الحماية من الإذلال داخل مرافقها العامة. إن تحويل المدارس إلى مراكز إيواء كان قراراً اضطرارياً أملته الظروف، لكن تركه عارياً من الدعم اللوجستي والصحي هو قرار سياسي بامتياز يتحمل أصحابه وزره أمام الشعب والتاريخ.
إن الحلول الناجعة لا تأتي من خلف المكاتب المكيفة، بل من قلب المعاناة. أولى خطوات التصحيح تبدأ بالإقرار بفشل النهج الحالي، والبدء الفوري في عملية تنسيق واسعة بين كافة المكونات اللبنانية، بعيداً عن منطق الاصطفاف أو الاتهام. إن الحوار والتفاهم بين مديري المؤسسات، والبلديات، والوزارات المعنية، يجب أن يفضي إلى خطة طوارئ حقيقية. هذه الخطة يجب أن ترتكز على تحويل المدارس إلى بيئات صالحة للعيش الآدمي أولاً، من خلال صيانة دورات المياه، وتأمين مياه الشفة، وتجهيز مطابخ مركزية، وضمان شروط النظافة العامة لمنع تفشي الأمراض. التعليم حق، ولكن الحياة هي أصل الحقوق، ولا يمكن ممارسة الحق الثاني في ظل تهديد الحق الأول.
علاوة على ذلك، يجب أن تتضمن الحلول المستقبلية للبنان رؤية سيادية تعيد للدولة هيبتها من خلال كفاءة إدارتها للأزمات. إن إعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة تتطلب شفافية مطلقة في توزيع المساعدات والميزانيات، وتوجيهها نحو المشاريع المستدامة التي تخدم الاستقرار الداخلي. إن التنسيق بين المكونات اللبنانية في إدارة مراكز الإيواء يمكن أن يكون نموذجاً للتضامن الوطني الذي يتجاوز الخلافات الضيقة، ليؤكد أن قوة لبنان تكمن في قدرة أهله على التكاتف وقت الشدة. إن السيادة ليست مجرد حدود جغرافية، بل هي قدرة الدولة على بسط رعايتها وحمايتها لكل فرد على أرضها، وضمان ألا يشعر أي لبناني بأنه غريب في وطنه أو عبء على مؤسساته.
وفي الختام، إن الكتاب المفتوح الذي يجب أن يرفعه مديرو المدارس والمشرفون هو وثيقة خلاص وطني تربوي. إنه إعلان صريح بأن كرامة الطالب والنازح هي الخط الأحمر الذي لا يمكن تجاوزه. إن التوجه نحو الحلول الميدانية الواقعية، وتوجيه الموارد المادية نحو الضرورات الحياتية، هو السبيل الوحيد للحفاظ على ما تبقى من هيكل الدولة. على الحكومة أن تدرك أن الشعوب لا تُقاد بالخيال الرقمي وسط واقع مأساوي، بل بالعمل الجاد الذي يلمس أوجاعهم ويمسح دموعهم ويحفظ كبرياءهم. إن المستقبل يبدأ من هنا، من قرار شجاع يضع الإنسان أولاً، ويجعل من المدرسة حصناً للكرامة قبل أن تكون قاعة للدروس، ليبقى لبنان وطناً عصياً على الانكسار، شامخاً بوحدة أبنائه وصدق توجهاتهم نحو بناء دولة الحق والمؤسسات.


