الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

لبنان ـ الانتخابات النيابية وأفق التغيير

جريدة الحرة بيروت

بقلم علي خليل ترحيني مدونة الكاتب علي خليل ترحيني

تقف الدولة اللبنانية اليوم أمام لحظة مفصلية ترتبط باختيار أعضاء الندوة البرلمانية، حيث تشير البيانات الصادرة عن مراكز رصد الانتخابات النيابية المقبلة إلى تحول في طبيعة المنافسة السياسية، مدفوعاً بمتغيرات إقليمية ومحلية تفرض واقعاً جديداً.

إن المشهد الراهن يتطلب تعزيز دور المؤسسات الرسمية وتكريس منطق القانون فوق أي اعتبارات أخرى، ويبدأ هذا المسار من تفعيل الأجهزة الرقابية والقضائية، بحيث يتولى القضاء الفصل في الملفات الوطنية، وتتحمل الهيئات الرقابية مسؤولية ضبط الإنفاق العام ومحاسبة الإدارة، مما يمهد الطريق لبناء هيكلية رسمية قوية قادرة على تنفيذ السياسات العامة بوضوح وتجرد.

تتجه الأنظار أولاً إلى العاصمة بيروت، حيث يمثل حضور التيارات الوازنة، وفي طليعتها تيار المستقبل، عاملاً مؤثراً في إعادة رسم الخريطة السياسية؛ فالمعطيات البيانية ترجح قدرة هذه القوى على استعادة كتل ناخبة فاعلة، مما يرفع الحاصل الانتخابي في بيروت الثانية ويضع المقاعد في دائرة المنافسة المباشرة، ليعود الوزن المرتبط بحجم الكتل التصويتية المباشرة في العاصمة هو المعيار الأساس.

أما في الشمال، وتحديداً في طرابلس وعكار، فإن المعركة الانتخابية تتأثر بتبدل الظروف السياسية في الجوار، مما أدى إلى إعادة تنسيق التحالفات بما يخدم الثبات الانتخابي، حيث يبرز سعي القوى الوطنية لتثبيت حضورها وتأمين مقاعد الدائرة بما يعزز استقلالية القرار السياسي ويراعي الواقع التاريخي للمدينة كمركز ثقل وطني.

بالانتقال إلى البقاع، يشهد البقاع الغربي وراشيا حراكاً سياسياً مكثفاً، حيث يتوقع أن يؤدي التنسيق بين القوى السيادية والتيارات الوازنة إلى تشكيل كتلة قادرة على التنافس بفعالية. وفي بعلبك والهرمل، يشير المشهد إلى وجود حراك لشخصيات تطالب بحضور أجهزة الدولة، مع الإقرار بواقع الالتزام الشعبي الواسع للقوى القائمة في القرى والبلدات، والذي يظهر بوضوح في قدرتها على تنظيم صفوفها وتثبيت حضورها في الأزمات.

وفي ظل هذا المشهد، تبرز تجاذبات حول توقيت الاستحقاق جراء ضغوط ومؤشرات أمنية، ورغم هذه المناخات التي تلمح إلى تفضيل تأجيل الانتخابات تقنياً، إلا أن الموقف الرسمي يشدد على إجراء الانتخابات في موعدها كضمانة لاستقرار المؤسسات ومنع انزلاق البلاد نحو التعطيل، مع التأكيد على أن دورية الاستحقاقات الدستورية هي السبيل الوحيد لإعادة انتظام السلطة.

وفي دائرة بعبدا والجنوب، تتجه الحسابات نحو بناء تحالفات جديدة؛ حيث يبرز في صيدا وجزين تنسيق سياسي يجمع القوى السيادية والمستقلين، مما يرفع من حدة التنافس. وفي دائرة الجنوب الثالثة، تبرز قوة الشخصيات المعارضة كطرف يسعى للمنافسة، مراهناً على أصوات الكتل الناخبة غير الحزبية، بينما يبرز الحراك في الجبل وجبيل كجزء من تيار يطالب بالاحتكام إلى الدولة، مع الإقرار بأن القوة التنظيمية للقوى القائمة تمنحها أفضلية الثبات بفضل قدرتها على الاستنهاض الشعبي.

ختاماً، إن البرلمان الذي يتطلع إليه اللبنانيون هو برلمان يرتكز على تفاهمات وطنية عابرة للاصطفافات الحادة، تضع سيادة الدولة وتطبيق الدستور كأولوية. نحن بحاجة إلى مجلس نيابي يمتلك القدرة على تشريع قوانين تعيد التوازن المالي وتفعل استقلالية القضاء وتضع رؤية اقتصادية واضحة.

إن الحل يكمن في وصول سلطة تشريعية تمارس دورها الرقابي بفعالية، وتضمن استقرار البلاد عبر الالتزام بمبدأ الحوار والتنسيق بين كافة المكونات، لبناء دولة قوية تحمي مواطنيها وتفرض هيبتها القانونية على كامل أراضيها، مع احترام موازين القوى التي تفرزها الإرادة الشعبية والواقع القائم، بما يضمن صيرورة الدولة وفق نواميس الحق والعدالة، وبما يستنهض الهمة الوطنية نحو مستقبل أكثر استقراراً.

https://hura7.com/?p=75301

الأكثر قراءة