الأكثر قراءة

لبنان ـ التطييف السياسي للسلطة هو الفارق بين البطريركية المارونية والمارونية السياسية..

جريدة الحرة بيروت

بقلم : د.محمد مراد: باحث في التاريخ السياسي والشؤون الدولية..

بمناسبة التطويب الكنسي القدسي للبطريرك الياس الحويك (١٨٤٣ – ١٩٣١)..

في العودة إلى مشروع دولة لبنان الكبير، الذي ظهر بقوّة وسط زحمة مشاريع دولية( فرنسا- بريطانيا)، وإقليمية عربية ( الشريف حسين لدولة عربية كبرى، والأمير فيصل لدولة سورية عربية…)، حمل البطريرك الياس الحويك مشروع البرجوازية الجبلية النامية في جبل لبنان (برجوازية الحرير)، للمطالبة بتوسيع المجال الجغرافي الحيوي لمستقبل انخراطها في اقتصاد السوق من خلال نشاطها في تتجير الحرير كسلعة بضاعية قائمة على المراكمة الرأسمالية. وتشير الوثائق التاريخية إلى أن البطريركية المارونية كانت المالك الأكبر للأراضي الزراعية (مساحات شاسعة للأديرة الرهبانية)، وكذلك المصدّر الأكبر لبالات الحرير الخام إلى أسواق فرنسا في مرسيليا وليون وبوردو وغيرها. هنا نشأت مصلحة مشتركة قائمة على الاقتصاد الربحي التراكمي بين برجوازية الحرير وفرنسا الطامحة إلى قيام مشرق عربي فرنسي يدور في فلكها الرأسمالي.

عبٌر البطريرك الياس الحويك عن مستقبل الجغرافية كمجال حيوي لقيام دولة لبنانية حديثة تستجيب لمصلحة اقتصادية واجتماعية ووطنية بصورة عامة. صحيح البطريرك الحويك طالب بمساعدة فرنسا عبر مذكرة مسهبة ما زالت محفوظة في الآرشيف الفرنسي، رفعها حضوريا إلى مؤتمر فرساي في نوفمبر ١٩١٩ إبّان ترؤسه الوفد الثاني إلى فرساي، وقد رافقه زعماء من الشيعة والسنّة والدروز والكاثوليك والأرثوذكس. هو البطرك الحويك الذي سعى لقيام دولة لبنانية حديثة تأخذ طريقها إلى التطور على قاعدة المواطنة والهويٌة اللبنانية الجامعة.

اما المشكلة فهي في المارونية السياسية، التي وجدت في قيام الدولة الجديدة تثبيتا لسلطتها في الحكم والإدارة والتميٌز بخصوصية فوقية على حساب الطوائف الأخرى المتعددة في الاجتماع السياسي اللبناني. عام ١٩٢٩، وعندما كان أميل إدّه رئيسا للوزراء، رفع مذكرة إلى وزارة الخارجية الفرنسية (الوثيقة في محفوظات مكتبتي الخاصّة)، يطالب فيها بضمان الهيمنة المارونية السياسية على الدولة ومستقبلها، وذلك من خلال التنبّه لتطورات ديمغرافية قد لا تكون لصالح المارونية السياسية في المستقبل.

وجاء في مذكرته اقتراحان اثنان: الأول يدعو إلى فصل منطقة (جبل عامل) ذات الأكثرية الساحقة من ” المتاولة” لتشكّل منطقة حكم ذاتي (Autonomie) تابعة للانتداب الفرنسي، حيث تتخلص الدولة اللبنانية من حجم سكاني يقدر آنذاك ب ١٠٢ ألف نسمة. الإقتراح الثاني يتعلق بجماعة السنّة في طرابلس والشمال، حيث هناك نحو ٥٥ ألفا من السنًة، يقترح إدّه، إعطاءهم الجنسية السورية مع بقائهم في طرابلس والشمال في إطار الجغرافية السياسية للدولة اللبنانية. كان هدف إدّه، وهو الذي سيصبح رئيساً للجمهورية اللبنانية ١٩٣٦-١٩٤١)، التخلص من كتلتي الشيعة في الجنوب، والسنّة في الشمال، حتى تخلو الأكثرية الطائفية للموارنة، وما يترتب على هذا الأمر الديمغرافي من ضمان الهيمنة في السلطة والسياسة والاقتصاد وعلاقات الدولة الخارجية.

نشير في هذا المجال إلى تصريح للبطريرك الياس الحويك في أواخر حياته قال فيه ” فرنسا مثل النار تدفىء عن بعد وتحرق عن قرب”، وهذا ما يعكس معارضته للسياسة الانتدابية لفرنسا من جهة، ونزعته الاستقلالية ونزوعه إلى لبنان دولة حرٌة وحرية مستقلة حتى عن فرنسا التي وصفت بأنها الأم الحنون لها من جهة أخرى. المشكلة في تطور الطائفية السياسية والمذهبية السياسية في عصرنا الراهن، وهو الأمر الذي يقع على عاتق القوى السياسية التي استمرت ترهن الدولة إلى مستقبل مصالحها عبر التطييف السياسي للسلطة الحاكمة ولسائر مؤسسات الدولة ومرافقها العامة.

https://hura7.com/?p=82089

الأكثر قراءة