الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

لبنان ـ التكافل الوطني بمواجهة الحرب النفسية

جريدة الحرة بيروت

بقلم : علي خليل ترحيني مٌدونة الكاتب علي خليل ترحيني

تمثل الحرب النفسية التي يشنها العدو الإسرائيلي في لبنان إستراتيجية ممنهجة تتجاوز العمليات العسكرية المباشرة، وتهدف إلى كسر الإرادة الشعبية، وتفتيت البنية المجتمعية، وخلق شرخ بنيوي لا يمكن ترميمه بسهولة بين مختلف الفئات اللبنانية. وتُنفذ هذه الحرب عبر عدة مسارات مترابطة تبدأ من سياسة الإنذارات المبكرة والتهجير القسري التي تهدف إلى إرباك المدنيين وإجبارهم على ترك مناطقهم التاريخية بشكل مفاجئ مع أمتعة قليلة أو بدونها، مما تسبب في نزوح واسع النطاق طال نحو خمس سكان البلاد، وخلق أزمة إنسانية خانقة واضطرابات نفسية حادة، لا سيما لدى الفئات الأكثر ضعفاً كالأطفال. ويترافق ذلك مع الضغط المباشر على البيئة الشعبية من خلال الاستهداف الممنهج للضاحية الجنوبية لبيروت والقرى والبلدات الحدودية، بغية إيصال رسالة واضحة بأن التكلفة الاجتماعية والاقتصادية باهظة جداً، مما يولد ضغوطاً داخلية هائلة.

ولا يقتصر الدمار على الأهداف الميدانية، بل يشمل اتباع سياسة الأرض المحروقة من خلال النسف الشامل للقرى الحدودية والمربعات السكنية، ومحاولة تحويل مساحات واسعة جنوبي لبنان إلى مناطق عازلة، فضلاً عن محو الذاكرة التاريخية عبر استهداف المواقع والمعالم الأثرية والمناطق التراثية في المدن التاريخية مثل صور وبعلبك، وهو ما يحمل بعداً نفسياً خطيراً يهدف إلى اقتلاع الناس من جذورهم وتجريدهم من هويتهم الثقافية والتاريخية. وتستغل الآلة الدعائية للعدو الاختلافات الديموغرافية لزرع بذور الفتنة والتوتر الطائفي والمناطقي من خلال تهديد بلدات وقرى من مكونات أخرى لمنع إيواء النازحين، بالتزامن مع الضغط الاقتصادي الناجم عن التدمير الشامل للبنية التحتية والقطاعات الزراعية والسياحية، مما أدى إلى تفاقم معدلات الفقر بشكل غير مسبوق، وخصوصاً في محافظتي الجنوب والنبطية، ليخلق حالة من التذمر تفكك التضامن المجتمعي الداخلي عبر الحروب الموازية والخطاب الإيرادي الساعي لتكريس شعور دائم بعدم اليقين وعدم الاستقرار، وتصدير سرديات تحمّل فئة معينة مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع لتأجيج العصبيات بدلاً من المعالجة السياسية الموحدة.

إن مواجهة هذه الضغوط المتشابكة والعميقة تتطلب تجاوز مقاربات الإغاثة التقليدية العاجزة، والانتقال نحو تفكير نقدي يفكك جذور الأزمة الحالية ويجترح حلولاً واقعية قابلة للتنفيذ الفوري. إن القراءة النقدية للواقع اللبناني تؤكد أن الرهان على الأطر الرسمية المترهلة أو على المساعدات الدولية المشروطة والمتقلبة هو رهان غير مجدٍ في اللحظة الراهنة؛ لذا فإن المدخل الحقيقي لتحصين الساحة الداخلية يكمن في تفعيل شبكة أمان وطنية ترتكز أساساً على مثلث التكافل الاجتماعي والشعبي الذي يجمع بين المواطن المقيم، وأخيه النازح، واللبناني المغترب. ويتطلب هذا المسار الواقعي تحويل التضامن العفوي إلى آلية عمل منظمة ومستدامة؛ فالأفراد والمؤسسات الأهلية في مناطق الإيواء مطالبون اليوم بتجاوز منطق الاستضافة الموقتة نحو بناء شراكات مجتمعية كاملة مع النازحين، تضمن صون كرامتهم وتمنع أي محاولات للاستغلال الاقتصادي أو التشنج الطائفي.

وفي المقابل، يبرز الدور المحوري والحيوي للمغترب اللبناني، لا بوصفه مجرد مصدر للتمويل الإغاثي، بل كرافعة إستراتيجية قادرة على ضخ مقومات الصمود مباشرة في شريان العائلات المتضررة والمبادرات المحلية المستقلة، بعيداً عن بيروقراطية القنوات الرسمية. إن هذا التكامل البنيوي بين الداخل والاغتراب يمثل الرد الحقيقي والعملي على محاولات التفتيت، حيث يتحول التكافل من مجرد واجب إنساني إلى أداة مواجهة سياسية واجتماعية واعية تفشل غايات الحصار والضغط النفسي.

ومع ذلك، فإن هذا الجهد الشعبي والاغترابي لا يعفي مؤسسات الدولة من التزاماتها، بل يسلط الضوء نقديًّا على ضرورة الاستنفار الشامل لكافة الوزارات الوطنية لتحمل مسؤولياتها الدستورية والأخلاقية في إدارة ملف النزوح. إن حصر الأزمة بجهات محددة يعكس قصوراً بنيوياً، إذ يتطلب الواقع الراهن تكاملاً حقيقيًّا بين مختلف القطاعات الرسمية؛ فالوزارات الخدمية والاجتماعية كالصحة، والتربية، والشؤون الاجتماعية مطالبة بوضع خطط طوارئ مرنة وموحدة تضمن تدفق الخدمات الطبية والتعليمية والإغاثية بشكل عادل وشفاف يمنع الاستنسابية. كما أن الوزارات المعنية بالبنى التحتية والأمن كالأشغال، والطاقة، والداخلية ملزمة بتأمين بيئة آمنة ومستقرة في مراكز الإيواء وخارجها، وتوفير الخدمات الأساسية من ماء وكهرباء وصيانة، لضمان عدم تحول هذه المراكز إلى بؤر للضغط النفسي والاجتماعي. إن هذا التعبئة الإدارية الشاملة للوزارات تخرج بالدولة من دور المتفرج أو العاجز، لتعيد الاعتبار لمؤسساتها كراعٍ أول وأساسي لكافة المواطنين دون تمييز.

وفي نهاية المطاف، فإن الحلول المستقبلية الجوهرية لا يمكن أن تكتمل دون إعادة صياغة العلاقة بين المكونات اللبنانية على قواعد الحوار والتنسيق والتفاهم المتبادل، بعيداً عن لغة الاتهام والتحدي والصراع الداخلي. إن صيانة السلم الأهلي وتعزيز سيادة الدولة واستقلالها يستوجبان نقاشاً وطنياً شجاعاً يرفض استفراد أي طرف بتبعات المواجهة أو تحميل فئة دون غيرها أوزار الأزمات الوطنية. إن صياغة عقد اجتماعي واقتصادي متين، يبدأ من الالتزام الشعبي العارم بالتكافل والاحتضان، ويمر بالمسؤولية التضامنية الكاملة لوزارات الدولة، وينتهي ببناء مؤسسات قوية وقادرة، هو الضمانة الوحيدة لتفويت الفرص على الاستثمار الخارجي في التناقضات المحلية، وتحويل هذه المحنة إلى محطة تاريخية لإعادة الاعتبار للمفهوم الجامع للمواطنة السليمة.

https://hura7.com/?p=79165

الأكثر قراءة